كتب / أحمد أكلكيم
لم تعد المهرجانات والمواسم والتظاهرات الثقافية، في بعض مناطق المملكة، فضاءات مخصصة فقط للاحتفاء بالتراث المحلي، أو إحياء الذاكرة الجماعية او تخليد ذكرى وطنية ، أو دعم الفرق الشعبية والجمعيات المنظمة. فقد بدأت هذه المناسبات تكتسب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وظيفة أخرى تبدو أكثر حضوراً في المشهد: وظيفة الظهور السياسي، والاقتراب من الجمهور، وصناعة الصور التي قد تجد طريقها، عاجلا أو آجلا، إلى ذاكرة الناخب.
زعماء أحزاب سياسية، ووزراء، وبرلمانيون، ومسؤولون منتخبون، يحرصون على حضور عدد من هذه التظاهرات، بل إن بعضهم لم يعد يكتفي بالجلوس في المنصة الرسمية أو إلقاء كلمات الترحيب. فالمشاركة أصبحت أكثر حيوية: رقصات شعبية مع الفرق المحلية، صور جماعية مع السكان، مصافحات طويلة، وابتسامات موزعة بسخاء أمام عدسات الهواتف والكاميرات.
في زمن يمكن وصفه بـ«الحملات الانتخابية السابقة لأوانها»، تبدو كل مناسبة فرصة تستحق الحضور، وكل تجمع بشري محطة لا ينبغي تفويتها، وكل صورة جماعية مشروع رسالة سياسية مؤجلة. فالمهرجان ليس مجرد مهرجان، والموسم ليس مجرد موسم، والرقصة الشعبية قد تتحول، في زمن الصورة السريعة، إلى مادة تواصلية أكثر تأثيرا من خطاب سياسي طويل.
وطبعاً، لا علاقة لكل ذلك بالانتخابات المقبلة!
فالحملة لم تبدأ رسميا بعد، والقوانين تحدد آجالها، والبرامج الانتخابية لم تُعرض بعد، واللوائح لم تُحسم. لكن السياسة، كما يبدو، لها دائما طرقها الخاصة في الاستعداد. ولذلك، يبدو أن بعض «الفرسان» قرروا الإحماء مبكراً، استعداداً لسباق يعرفون جيدا أن خط نهايته يوجد عند صناديق الاقتراع.
المثير في هذه الظاهرة ليس فقط حضور السياسيين للمناسبات الشعبية، فهذا أمر طبيعي في مجتمع تقوم فيه الحياة العامة على التواصل المباشر، بل في طبيعة التحول الذي تعرفه تلك المشاركة. فبين السياسي الذي يشارك الناس فرحتهم بشكل عفوي، والسياسي الذي يحوّل المناسبة إلى منصة دائمة لإعادة إنتاج صورته، توجد مساحة واسعة تستحق التأمل.
لقد أصبحت الصورة جزءاً من الفعل السياسي المعاصر. صورة الوزير يطبل وسط فرقة شعبية، أو البرلماني وهو يرقص مع فرقة محلية، أو زعيم الحزب وهو يحيي الجمهور من وسط ساحة الموسم، لم تعد مجرد لحظات بريئة بالمعنى التواصلاتي. إنها أيض رسائل مختصرة تقول: «أنا هنا»، «أنا قريب منكم»، «أنا واحد منكم»، وربما، من دون أن تقول ذلك صراحة: «لا تنسوني عندما يحين الموعد».
وهنا تبرز مفارقة المشهد المغربي في زمن ما قبل الانتخابات. فبينما تنتظر الأحزاب اللحظة الرسمية لانطلاق الحملات، تكون حملة أخرى قد بدأت بالفعل، ولكن بأدوات مختلفة: الأعراس، المواسم، المهرجانات، الأنشطة الجمعوية، المناسبات الرياضية والثقافية، وحتى لحظات التكريم التي يتحول فيها المكرَّم أحياناً إلى مجرد خلفية لصورة سياسية أكبر.
إنها حملة بلا ملصقات انتخابية، وبلا شعارات حزبية معلنة، وبلا خطابات مباشرة تطلب الأصوات. لكنها حملة تقوم على الحضور، وعلى التكرار، وعلى صناعة الألفة بين السياسي والجمهور.
أما المواطن، فيتابع المشهد، ويبتسم أحياناً، ويتساءل أحياناً أخرى:
هل نحن فعلاً أمام حفل للسلوق والفرس، واحتفاء بتراث محلي يستحق الحماية والتثمين؟ أم أننا أمام موسم سياسي مبكر، تتدرب فيه بعض النخب على اقتناص المناسبات ومطاردة الأصوات؟
فالسلوق معروف بسرعة الانقضاض على الهدف، والفرس لا ينتظر طويلاً قبل أن ينطلق في السباق. وبين سرعة الاقتناص وسرعة الانطلاق، يبدو أن بعض السياسيين وجدوا المعادلة المناسبة: حضور دائم، صورة جاهزة، رقصة شعبية، مصافحة مع الجمهور، ثم انتظار اللحظة التي تتحول فيها كل هذه التفاصيل إلى رصيد انتخابي.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يكفي الرقص مع الناس لكسب ثقتهم؟
فالمواطن الذي يصفق اليوم لعرض فني أو لمشاركة مسؤول في رقصة شعبية، هو نفسه الذي سيعود غداً ليسأل عن المدرسة والمستشفى والطريق والشغل والقدرة الشرائية. وبين صورة الفارس في ساحة الاحتفال، وصورة المسؤول أمام مشاكل المواطنين اليومية، توجد مسافة لا يمكن اختصارها برقصة، مهما كانت شعبية وجميلة.
لهذا، ربما يكون من حق المواطن أن يستمتع بالمهرجان، وأن يصفق للفرقة الشعبية، وأن يرحب بضيوف من مختلف المواقع السياسية. لكنه من حقه أيضا أن يحتفظ بسؤاله الكبير إلى حين:
من جاء ليحتفل فعلا مع الناس، ومن جاء فقط ليبدأ حملته الانتخابية قبل أن تعلن صافرة البداية؟

