عبد الكريم مومن
على بعد نصف ساعة فقط بالسيارة من مدينة مراكش، كانت تمتد صحراء أغفاي في هدوءها المعتاد، منطقة شبه خالية، جرداء، لا يرى فيها معظم الناس سوى تضاريس قاسية وأرض تفتقر إلى مقومات الاستثمار. لكن بالنسبة لعبد الخالق لم تكن تلك المساحات سوى فرصة تنتظر من يكتشفها.
انتقل ذات يوم إلى تلك المنطقة، تاركا لنفسه مساحة للتأمل، مستحضرا سنوات طويلة من التجربة في قطاع السياحة. أخذ يتفحص المكان بعين المستثمر والمغامر في آن واحد، وبدأ يطرح على نفسه أسئلة لم يجرؤ كثيرون على طرحها:
هل يمكن فعلا تطوير هذه المنطقة؟ هل يمكن إحياؤها؟ وهل يمكن تحويل هذا الفراغ إلى وجهة يقصدها الناس من مختلف أنحاء العالم؟

وفي لحظة مواجهة صادقة مع الذات، قال لنفسه: إذا لم أفعل شيئا، فلا يمكنني القول بأن لدي فعلا تجربة في السياحة.
كانت تلك اللحظة نقطة التحول. أمسك بقلمه، وبدأ يسطر الأفكار، ويرسم الخطط، ويضع التصاميم، ويعيد تصور ما يمكن أن تصبح عليه أغفاي في المستقبل. كل شيء انطلق من لا شيء، مجرد فكرة، وإيمان راسخ بأن الجرأة والإصرار قادران على صنع المستحيل، فالمعروف عن عبد الغفور أنه لايتكلم كثيرا، بل يفعل كثيرا وهذا سر نجاحه وإستمراره في تحويل أحلامه لأفكار ثم أفعال.
لم يكن الطريق سهلا، فقد واجه المشروع تحديات عديدة، من طبيعة المنطقة القاسية إلى متطلبات البنية التحتية والتمويل وإقناع الآخرين بإمكانية نجاح الفكرة. لكن عبد الغفور لم ينظر إلى العقبات باعتبارها أسبابا للتراجع، بل اعتبرها محطات يجب تجاوزها.
شيئا فشيئا، بدأت ملامح الحلم تتحول إلى واقع. تحولت الأرض الجرداء إلى مشروع سياحي متكامل يجمع بين أصالة الطبيعة ورفاهية الإقامة، من خلال وحدات سياحية راقية مندمجة مع البيئة المحيطة، وتجارب استثنائية تمنح الزوار فرصة الاستمتاع بسحر أغفاي الفريد.

ولم يقتصر أثر المشروع على الجانب الاقتصادي فقط، بل أصبح نموذجا حقيقيا للتنمية المجالية. فقد ساهم في تحسين البنية التحتية للمنطقة من خلال توفير الطرق، والمساهمة في إيصال الماء والكهرباء، الأمر الذي انعكس إيجابا على حياة السكان المحليين وفتح آفاقا جديدة للتنمية، وفعلا أعجبتني تلك الإبتسامات التي يوزعها العاملون وتلك النظرة المملوءة بالأمل التي حملها لهم عبد الغفور الذي يعامل مساعديه مثل الإخوة.
كما نجح المشروع في خلق مئات مناصب شغل مباشر، إضافة إلى العديد من فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بالنقل، والتزويد، والخدمات السياحية المختلفة، مما جعله مصدر دخل مهما للعديد من الأسر بالمنطقة.
إن قصة عبد الخالق ليست مجرد قصة نجاح استثماري، بل هي قصة رؤية وإصرار وشجاعة في اتخاذ القرار. إنها تؤكد أن التنمية تبدأ أحيانا بفكرة بسيطة وشخص يملك الجرأة على تحويلها إلى واقع، حتى عندما يرى الآخرون أن النجاح مستحيل.

لقد استطاع عبد الخالق أن يطوع صحراء أغفاي، وأن يحول منطقة هامشية إلى وجهة سياحية واقتصادية واعدة، مقدما درسا مهما مفاده أن أعظم المشاريع تبدأ غالبا بخطوة واحدة، وبسؤال بسيط:
ماذا لو حاولنا؟ فكل إنجاز كبير كان يوما مجرد فكرة على ورقة، وكل قصة نجاح عظيمة بدأت عندما قرر شخص ما ألا يكتفي برؤية الواقع كما هو، بل أن يعمل على تغييره إلى الأفضل.بالنسبة لي، فعبد الخالق يجسد مثال حي لأحد الأسئلة الحالية: كيف ننجح التنمية المجالية؟

