نيويورك / عبد الكريم مومن
سيدي الوزير،
نحن مستعدون لمناقشة الهجرة غير النظامية، ومكافحة الاتجار بالبشر، وحماية الحدود الأوروبية بكل جدية وصرامة. وهذه مسؤولية مشتركة بين الدول، والمغرب لا يحتاج إلى من يذكره بواجباته في مكافحة شبكات الهجرة والاتجار بالبشر.
أولا أنا أحب إيطاليا وزرتها، بل حتى المقاول الذي بنى بيتي هو من أصل إيطالي ويظل يذكرني بأصله وهو صديق محبب لي، لكن بما أنك تكلمت في جريدك بلدك عن المغرب وقبلت رأيكم، فأنت كذلك ومثال إسمع ردي ووجهة نظري مع العلم أنت تتكلم نيابة عن أمة، أما أنا فمن وجهة نظر خاصة كمواطن من أصل مغربي، والقلم بيننا والحبر لا يجف.
فعندما تقول، في حديثك مع Corriere della Sera: على إسبانيا أن تهتم بالمغرب، فمن هناك تأتي المشاكل، فإنك لا تتحدث فقط عن ملف أمني، بل تضع منطقا سياسيا يمكن أن يقود إلى نتيجة خطيرة: تحميل بلد كامل مسؤولية المشاكل بسبب منشأ بعض الأشخاص.
مهلا سيدي الوزير. لنقرأ كلا وجهي العملة التي تريد سكها.
إذا كان وصول أشخاص من بلد معين كافيا للقول إن (المشاكل تأتي من ذلك البلد)، فماذا ستقول الولايات المتحدة وكندا عن التاريخ الطويل للجريمة المنظمة المرتبطة ببعض الشبكات ذات الجذور الإيطالية؟
لا نتحدث هنا عن روايات شعبية أو أفلام هوليوود، وإنما عن ملفات رسمية للدولة الأمريكية والكندية.
وزارة العدل الأمريكية واجهت لعقود عائلات الجريمة المنظمة المعروفة باسم La Cosa Nostra، ومنها عائلات Bonanno وColombo وGambino وGenovese وLuchese. وفي عملية واسعة سنة 2011 وجهت الاتهامات إلى 91 قائدا وعضوا ومساعدا مرتبطين بهذه الشبكات.
ولم تكن المشكلة تاريخية فقط. ففي 2023 أعلنت وزارة العدل الأمريكية توقيف أعضاء ومساعدين من Gambino Crime Family في عملية أمريكية-إيطالية مشتركة، بتهم تضمنت الابتزاز والعنف وجرائم أخرى. كما لاحقت السلطات الأمريكية شبكات مرتبطة ب Ndrangheta الإيطالية داخل الولايات المتحدة.
وماذا عن كندا؟
في Project Colisée، إحدى العمليات الكبرى في مونتريال، أعلنت السلطات الكندية اعتقال 71 شخصا وتنفيذ أكثر من 90 عملية تفتيش، ووصفت الحكومة الكندية نفسها الشبكات المستهدفة بأنها traditional Italian-based organized crime، أي الجريمة المنظمة التقليدية ذات الأصل الإيطالي.
إذن نعم، كانت هناك شبكات إجرامية ذات جذور إيطالية في أمريكا الشمالية. نعم، تورطت شبكات منها في المخدرات والابتزاز وغسل الأموال ولاننسى القرية الأولمبية بمونتريال والفساد الذي حصل بالسبعينات ومن تورط به وغيرها. ونعم، كانت السلطات الأمريكية والكندية مضطرة إلى محاربتها لسنوات.
لكن هل قالت واشنطن إن المشاكل تأتي من إيطاليا؟
وهل قالت أوتاوا إن الإيطاليين هم المشكلة؟
بالطبع لا.
لأن الدول الديمقراطية تعرف الفرق بين جنسية الإنسان وسلوك الإنسان، وبين الدولة التي ينحدر منها المهاجر والشبكة الإجرامية التي يرتكب أفرادها الجرائم.
بل إن إيطاليا نفسها تعرف هذا الفرق جيدًا. فهي تمتلك جهازا متخصصا لمكافحة المافيا، وتشارك باستمرار في عمليات دولية ضد Cosa Nostra و Ndrangheta وغيرها. كما أن Europol وثقت التهديد الدولي الذي تمثله الجريمة المنظمة الإيطالية، وشاركت دول أوروبية عديدة في عمليات واسعة ضد شبكات ‘Ndrangheta.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الإيطاليين شعب مافيا. سيكون ذلك كلاما سخيفا وعنصريا.
وهنا تحديدا تكمن المسألة.
إذا كان من الخطأ أن نقول إن الإيطاليين مسؤولون عن الجريمة المنظمة لمجرد أن بعض المافيات لها جذور إيطالية، فمن الخطأ بالمنطق نفسه أن نقول إن المشاكل تأتي من المغرب لمجرد أن بعض المهاجرين غير النظاميين أو شبكات الاتجار تمر عبر المغرب أو تنطلق منه.
المغرب مستعد لتحمل مسؤوليته.
إذا كانت هناك شبكة للاتجار بالبشر تعمل من الأراضي المغربية، فلتحاسب.
إذا كان هناك شخص يتاجر بالمهاجرين، فليلاحق.
إذا كان هناك تعاون أمني مطلوب، فليعزز.
وإذا كانت هناك ثغرات في مراقبة الحدود، فلنعالجها.
لكن حاسب الأشخاص والشبكات، لا الجنسية.
ثم إن الهجرة غير النظامية ليست صناعة مغربية منفردة. إنها ظاهرة عابرة للحدود تشمل بلدان المنشأ والعبور والمقصد، وشبكات إجرامية تستغل الفقر والحروب والطلب على الهجرة، كما تشمل مسؤولية الدول الأوروبية عن إدارة حدودها وسياسات اللجوء والهجرة لديها.
لذلك فإن العبارة الأدق ليست:
من هناك تأتي المشاكل.
بل: هناك مشكلة مشتركة تمر عبر عدة دول، ويجب أن تواجهها الدول معا.
وهذا ليس دفاعا عن الهجرة غير النظامية، بل دفاع عن الدقة في الخطاب السياسي.
سيدي الوزير، إذا أردنا أن نناقش المغرب، فلنناقشه بالأرقام: كم مهاجرا أوقف؟ كم شبكة اتجار فكك؟ كم شخصا أعيد؟ كم عملية تعاون أمني تمت؟ وكم من الأموال صودرت من مهربي البشر؟
وإذا أردتم أن تناقشوا إسبانيا، فناقشوها بالأرقام أيضا.
أما أن يتحول بلد المنشأ إلى عنوان جاهز لكل مشكلة، فهذه ليست سياسة مكافحة الهجرة، بل اختزال سياسي لمشكلة معقدة.
والأخطر أن هذا المنطق يمكن أن يرتد على صاحبه.
فلو قالت الولايات المتحدة: المشاكل المنظمة جاءت مع الهجرة الإيطالية.
أو قالت كندا: الجريمة المنظمة جاءت من إيطاليا.
لكان الرد الإيطالي، وبحق:
لا تخلطوا بين المجرم وبلده.
ونحن نقول الشيء نفسه.
لا تخلطوا بين مهرب البشر والمغربي.
لا تخلطوا بين المهاجر غير النظامي والمغرب.
ولا تخلطوا بين شبكة إجرامية عابرة للحدود وشعب بأكمله.
إن كانت إيطاليا تريد شراكة مع المغرب في مكافحة الهجرة والجريمة المنظمة، فالمغرب شريك.
وإن كانت تريد محاسبة شبكات الاتجار بالبشر، فالمغرب مستعد للتعاون.
أما إذا كان المطلوب أن يتحول المغرب إلى كبش فداء سياسي لأزمة أوروبية معقدة، فهنا علينا أن نتوقف قليلا ونقرأ وجهي العملة.
فالعملة التي تسك اليوم ضد المغرب، إذا كان معيارها هو جنسية المهاجر ومصدر المشكلة، يمكن غدا أن تسك بالمنطق نفسه ضد أي شعب آخر.
والسياسة الحكيمة لا تصنع عملة بوجه واحد.
سيدي الوزير، لنقرأ كلا وجهي العملة قبل أن نسكها، ولا تأكل الثوم بفم مغربي، فإذا كان لديكم مشكل مع بلد أوروبي أو شخصية أوروبية، صفيه بفم إيطالي، مشكلة الهجرة اليوم هي ذات بعد إنساني لكن أصحاب ركوب الموجة مثل صديقك أبسكال موجودون بكل مكان.

