نيويورك / عبد الكريم مومن
في ظل تزايد موجات الحرّ وتحولها إلى ظاهرة موسمية متكررة بفعل التغير المناخي، لم تعد هذه الموجات مجرد تقلبات جوية عابرة، بل أضحت أزمة صحية واجتماعية حقيقية تتطلب استجابة عاجلة ومنصفة. تجارب دولية رائدة أظهرت أن التقدم لا يقاس فقط بالموارد المالية، بل بقدرة المجتمعات على الابتكار وسرعة التحرك لحماية الفئات الهشة.
باريس: من كارثة 2003 إلى منظومة حماية
فرنسا، مثلا، استوعبت الدرس القاسي لصيف 2003، الذي أودى بحياة أكثر من 15 ألف مسن بسبب موجة حرّ خانقة، لتطلق بعدها خطة وقائية تعرف بـ خطة Canicule. عند بلوغ الحرارة مستوى الخطر، تُفعّل هذه الخطة تلقائيا وتشمل:
• فتح جميع الحدائق والنافورات العامة على مدار الساعة
• فرض تزويد المؤسسات الاجتماعية بالمكيفات أو المراوح
• تخصيص خطوط هاتفية لكبار السن القاطنين بمفردهم
• إرسال رسائل نصية تحذيرية للسكان عند تجاوز الحرارة 37 درجة
• تعبئة موظفين جماعيين لزيارة المسنين والتأكد من سلامتهم
كندا: الماء والظلال للجميع
أما في مونتريال، فتتحرك السلطات بشكل سريع عند ارتفاع الحرارة:
• تشغيل نافورات مياه الشرب العامة في كل الأحياء
• تحويل مراكز التسوق والبلديات إلى فضاءات تبريد مجانية
• فتح المسابح أمام العموم مجانا عند تجاوز الحرارة 33 درجة
• توفير حافلات مجانية لنقل من يصعب عليهم الوصول إلى أماكن التبريد
اليابان: سلوك جماعي منظم
اليابان بدورها طوّرت مقاربة متكاملة من خلال برامج مثل Cool Biz التي تشجع على ارتداء ملابس خفيفة في الإدارات للحد من استعمال المكيفات. كما دعمت فواتير الكهرباء للأسر محدودة الدخل خلال الفترات الحرارية القصوى، وألزمت المدارس بتعديل جداول الدراسة والرياضة. علاوة على ذلك، طوّرت تطبيقًا حكوميًا يحدد درجات الحرارة الخطيرة ويوجه السكان نحو أماكن التبريد القريبة.
أستراليا: الابتكار الأخضر
في مواجهة صيفها القاسي، أطلقت أستراليا حلولًا إبداعية، منها:
• إقامة ممرات ظل صناعية وخيام بيئية مؤقتة
• برنامج لزراعة آلاف الأشجار وسط المدن لتقليل الحرارة
• توزيع أجهزة تبريد محمولة على كبار السن
• تخفيض تلقائي لفواتير الكهرباء للمسنين وذوي الأمراض المزمنة خلال أشهر الذروة
ألمانيا: التوازن بين البيئة والرعاية
ألمانيا اختارت الجمع بين احترام البيئة وحماية الإنسان من خلال:
• اعتماد أنظمة إنذار مبكر حرارية مدعومة بالأقمار الصناعية
• تقليص ساعات العمل والدراسة عند ارتفاع الحرارة
• تخصيص وحدات إسعاف متنقلة لرعاية المشردين
• إنشاء خيمات تبريد مجانية وتوزيع الماء والثلج في الأماكن العامة
المغرب: خطوات واعدة
المغرب بدوره بدأ يولي اهتمامًا أكبر بتدبير موجات الحر، من خلال تهيئة الشواطئ، وتوسيع شبكة المسابح العمومية، والعمل على تحسين وسائل النقل العمومي لتكون أكثر راحة وتكييفًا. وهناك توجه ملحوظ لاعتماد أفكار مبتكرة مستقبلا، خاصة لحماية كبار السن والأطفال والعمال الميدانيين.
دروس مستخلصة
ما يجمع بين هذه التجارب هو أن الحق في التبريد والظل والماء أصبح جزءًا من العدالة الاجتماعية. الابتكار هنا لا يعني بالضرورة التكنولوجيا الفائقة، بل القدرة على التحرك السريع والفعال، والتركيز على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
في كثير من بلدان الجنوب، بما فيها بعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ما زالت مواجهة موجات الحرّ تفتقر للتنظيم، رغم أن درجات الحرارة فيها قد تفوق بكثير ما تشهده أوروبا. إتاحة نافورة مياه أو فضاء ظل آمن قد يبدو ترفًا، لكنه في الحقيقة إجراء وقائي ينقذ الأرواح.
عندما ترتفع درجات الحرارة، تنكشف القيم الحقيقية للمجتمعات: فالتعامل مع موجة حرّ بوصفها حالة طوارئ إنسانية هو دليل على تقدّم يضع كرامة الإنسان في صلب أولوياته.
⸻

