كتب أحمد أكلكيم
تشهد بلادنا في السنوات الأخيرة تفاقماً مقلقاً في ظاهرة هدر وضياع المواد الغذائية، خاصة خلال شهر رمضان، حيث تسجل نسب الاستهلاك ارتفاعاً غير مسبوق، يترافق للأسف مع معدلات تبذير مرتفعة تشمل مختلف أصناف الأغذية.
هذه الظاهرة، التي باتت تشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً، دفعت بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى تسليط الضوء عليها من خلال مصادقته، خلال اجتماعه الأخير، على رأي شامل يعالج أبعادها المختلفة ويقترح مقاربة متعددة الأطراف للحد منها.
رغم الجهود المبذولة من قبل السلطات والمؤسسات المدنية، ما زال المواطن المغربي، مدفوعاً بعوامل اجتماعية ونفسية ودينية، يبالغ في اقتناء المواد الغذائية، خاصة في شهر رمضان. تشير تقارير ودراسات وطنية إلى أن نسبة كبيرة من هذه المواد تنتهي في صناديق القمامة، سواء بسبب سوء التخزين، أو الإفراط في الطهي، أو عدم الوعي بقيمة الموارد.
ووفقاً لتقديرات أولية صادرة عن هيئات مراقبة الاستهلاك، فإن ما بين 25 و30% من المواد الغذائية التي يتم شراؤها في رمضان يتم هدرها، وهو ما يمثل خسائر مالية جسيمة للأسر، ويثقل كاهل الدولة فيما يتعلق بتدبير النفايات، ويزيد من الضغط على الموارد الطبيعية.
في ظل هذا الوضع، صادق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، على مشروع رأي حول ضياع وهدر المواد الغذائية في المغرب من خلاله يرصد المجلس حجم وأسباب وتداعيات ضياع وهدر المواد الغذائية، مع اقتراح توصيات قمينة بإحداث تحول هيكلي في نماذج الإنتاج وعادات الاستهلاك، من خلال إرساء منظومة غذائية أكثر استدامة وإنصافاً وقدرة على الصمود.
و تجدر الاشارة الى ان خطورة الظاهرة في أنها ليست مجرد سلوك فردي عابر، بل هي انعكاس لثقافة استهلاكية غير متوازنة، تتطلب مراجعة شاملة تشمل السياسات العمومية، والتدبير الترابي للنفايات، وكذلك الممارسات اليومية للأسر والمستهلكين. ومن هنا، فإن المعالجة الحقيقية تمر عبر إشراك المواطن كفاعل أساسي في التغيير، مع توفير إطار قانوني وتنظيمي يحفز على السلوك المسؤول.
إن التصدي لهدر الغذاء في المغرب لم يعد ترفاً، بل هو ضرورة تفرضها التحديات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، في سياق يواجه فيه المغرب ضغطاً متزايداً على موارده الطبيعية، ويبحث عن سبل تعزيز سيادته الغذائية. من هنا، فإن تحويل هذه الظاهرة إلى فرصة لتغيير العقليات، ودعم الابتكار في سلاسل الإنتاج والتوزيع، سيكون رافعة نحو نموذج تنموي أكثر توازناً وعدلاً.
و يبقى السؤال المعلق : إلى متى سيستمر التساهل مع ظاهرة هدر الغذاء في المغرب، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لوضع حد لسلوك استهلاكي غير مسؤول يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟”

