بقلم: سعيد ودغيري حسني
إذا كنا لا نقدر على احتمال اختلافٍ صغير في زاوية من وطن
إذا كانت آراؤنا خناجر
وكلماتنا بارود
وصراعاتنا أضيق من زقاق
وأعمق من هاوية
فأي مستقبل نرجوه في هذا الكون الفسيح
الذي لا يعترف إلا بمن يملك أدوات الفهم
وسلاح الوحدة
وصوت الحكمة
نحن نتهاوى في خلافات تُضحك أعداءنا
نُكفّر بعضنا
نُخوّن بعضنا
نُقصي بعضنا
ثم نقف مذهولين أمام المرايا
نسألها لماذا لم نكبر
لماذا لم نزداد نوراً
لماذا صار وجهنا باهتاً
والأمل مكسور الجناح
في عالمٍ تتحرك فيه الأيديولوجيات كالعواصف
تتبدل الشعارات كل حين
تختلط القيم بالمصالح
والفضيلة بالربح
تدخل البراغماتية من كل باب
تلبس وجوه الزعماء
وتغني بأصوات الشعراء
لكنها في الداخل لا تؤمن بشيء
سوى بالنتيجة
وتنهض الإسلاماوية من غفوتها
لكنها لا تأتي كماء
ولا كضوء
بل تحمل سوطاً
وتخاطب الناس من علٍ
وتستبدل الرحمة بالخوف
وتحول النصوص إلى سيوف
ثم تبتسم الليبرالية المتوحشة
تحرر الأسواق وتستعبد الأرواح
تفتح لك أبواب العالم
لكنها تسلبك قلبك
تمنحك شاشة
وتأخذ منك عينك
تمنحك سرعة
وتأخذ منك المعنى
فأين نحن من هذا كله؟
أين نحن من صناعة القرار؟
من صناعة المعنى؟
من بناء الإنسان؟
نحن نتنازع على اللهجات
ونتشاجر على الأسماء
ونختلف على حجم الراية
ونترك الأوطان في مهب السؤال
نحن
أحفاد فكرٍ تاه
وأبناء زمنٍ فقد بوصلته
نردد الماضي كأننا لا نملك سواه
لكننا نخونه حين نرفض أن نكون امتداده النبيل
يا نحن أين نحن؟
في أي منعطف ضيعنا الطريق؟
متى أصبح العقل مذنباً؟
والسؤال رجساً؟
والاختلاف خيانة؟
نحن لسنا بحاجة لعدو
نحن عدو أنفسنا
نهدم ما نزرع
ونلعن من يروي
فكيف سنقف أمام قوى لا ترحم؟
كيف سنفاوض حضارات تُحسب فيها الدقيقة بالذهب
والكلمة بالميزان
والمواقف بالأفعال؟
نحن لا زلنا نبحث عن “نحن”
عن صيغةٍ ضميريةٍ تعيد التوازن
عن خطاب لا يُقصي
عن قلب لا يتكبر
عن فكرة تنبت كالحب في الحقول
وتثمر وعياً
زبدة القول
لن يكون لنا موقع في خريطة العالم
ما دمنا نُفرّط في وحدتنا
ما دمنا نستهين بأسئلتنا
ما دمنا نرفض أن نكون “نحن”
قبل أن نُجادل ونُقاتل ونُناقش العالم
علينا أن نصافح ذواتنا أولاً
أن نعيد تعريف “نحن” بلا خوف ولا كبرياء

