نيويورك / عبد الكرين مومن
تعالت بعض الأصوات بضرورة إيجاد حل للعنف بالمدرسة، هل ينبغي حل المشكلة في إطار استراتيجية أو تفعيل العقوبات أو إيجاد بديل، وهنا نطرح التساؤل التالي:هل الطرد المدرسي يتعارض مع مبدأ إجبارية التعليم؟
في كل دول العالم تقريبًا، يُعَدّ التعليم حقًا أساسيًا وإجباريًا للأطفال حتى سن 16 أو 18 عامًا. لكن هذا الحق يقابله جدل قانوني وتربوي: هل يجوز طرد التلميذ من المدرسة بسبب العنف، أو كثرة الرسوب، أو الغياب؟ وهل يتعارض ذلك مع مبدأ إجبارية التعليم؟
الواقع أن الجواب ليس بسيطًا، بل يختلف حسب التشريعات والاجتهادات القضائية وسياقات كل بلد، ويخضع لتحليل معمق من قبل خبراء التربية والنفس والاجتماع.
بين القانون وحقوق الطفل
تنص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (المادة 28) على أن (التعليم الأساسي يجب أن يكون إلزاميًا ومتاحًا مجانًا للجميع). كما تُلزم الدول بضمان هذا الحق، حتى في حال وجود مشاكل سلوكية أو تعليمية لدى الطفل.
فرنسا مثلاً تعتبر التعليم إلزاميًا من سن 3 سنوات إلى 16، لكن المحاكم الفرنسية قضت في عدة مناسبات بعدم قانونية الطرد النهائي دون توفير بديل تعليمي.
في قضية شهيرة عام 2012، ألغت المحكمة الإدارية في باريس قرار طرد تلميذ يبلغ 14 سنة بسبب العنف، لأنه لم يُقترح عليه بديل تعليمي، واعتبرت القرار خرقًا للحق في التعليم.
نماذج من دول مختلفة
الولايات المتحدة: تملك المدارس صلاحيات واسعة في الطرد، خاصة في حالات العنف أو حمل السلاح. لكن المحكمة العليا شددت في قرارات متعددة (مثل Goss v. Lopez 1975) على ضرورة توفير ضمانات إجرائية واحترام الحق في التعليم. بعض الولايات توفّر “مدارس بديلة” للطلاب المطرودين.
المغرب: ينص القانون الإطار للتربية على أن التعليم إجباري إلى سن 16. في الواقع، يُطرد عدد من التلاميذ بسبب الغياب أو التكرار، لكن لا توجد منظومة واضحة لضمان استمرارهم في التعليم البديل.
فنلندا: يُمنع الطرد النهائي، حتى في حالات العنف، ويُحوَّل الطفل إلى برامج دعم نفسي واجتماعي داخل النظام التعليمي.
آراء العلماء: بين العقاب والإصلاح
يُجمع خبراء التربية على أن الطرد لا يجب أن يكون حلاً دائمًا، بل يجب أن يكون آخر إجراء بعد استنفاد كل وسائل الدعم.
- يقول الدكتور فيليب ميير، خبير في علم النفس التربوي:
(الطرد يعزل الطفل ويضاعف خطر الانحراف أو الإقصاء الاجتماعي. الأجدى هو احتواؤه داخل منظومة مرنة وداعمة). وتؤكد الباحثة المغربية فاطمة الزهراء الرامي أن (أسباب الغياب أو الرسوب غالبًا ما تكون اجتماعية أو أسرية، والطرد يزيد الوضع سوءًا). أما عالم الاجتماع عبد القادر بن عبد الله. فيحذر من أن (الطرد الدائم يُحوّل المؤسسة التعليمية من فضاء للإدماج إلى أداة للإقصاء).
اجتهاد قضائي وتوصيات عملية
في كندا، صدر حكم من محكمة العدل في أونتاريو سنة 2015 يعتبر أن (منع الطفل من التعليم بسبب سلوكه، دون توجيهه إلى بديل معتمد، يُعد تمييزًا ضد فئة ضعيفة).
من التوصيات المعتمدة في بعض الدول:
إحداث مدارس بديلة للمطرودين.
إدماج مستشارين نفسيين واجتماعيين دائمين في المدارس.
إدماج الأسرة في خطة الدعم التربوي.
إنشاء برامج (الفرصة الثانية) لتلاميذ الانقطاع الدراسي.
نستنج مما سبق أنه لايجوز قانونيا التخلي عن الطفل
رغم أن المدرسة تملك حق اتخاذ إجراءات تأديبية، فإن مسؤولية الدولة في ضمان التعليم الإجباري لا تسقط.
الطفل الذي يُطرد من المؤسسة يجب أن يُوجَّه إلى بديل لا يُقصيه، بل يدعمه ليعيد بناء علاقته بالتعلم والمجتمع.
فإجبارية التعليم لا تعني فقط (منع التلميذ من الانقطاع)، بل تعني أيضًا أن لا تُدير له الدولة ظهرها حين يواجه الصعوبات.

