كتب/ احمد اكلكيم
تشهد العاصمة العراقية بغداد حدثاً إعلامياً لافتاً بانعقاد الدورة الرابعة لمؤتمر الإعلام العربي، الذي ينظمه اتحاد إذاعات الدول العربية للمرة الأولى خارج مقره الدائم في تونس، حاملاً هذا العام شعاراً بالغ الأهمية: “دور الإعلام في مواجهة التغير المناخي”.
في زمن تتعاظم فيه التحديات البيئية على المستوى العالمي، وتُفاقم تداعياتها في منطقتنا العربية التي تعاني من الهشاشة المناخية والجفاف وندرة الموارد، يطفو إلى السطح سؤال جوهري: هل يستطيع الإعلام العربي الرسمي، في ظل قيوده السياسية وتضارب المصالح الجيوستراتيجية، أن يؤدي فعلاً دوراً مؤثراً في هذه القضية المصيرية؟
لماذا بغداد؟ وما دلالة ذلك؟
اختيار بغداد لاحتضان هذا المؤتمر لا يخلو من رمزية سياسية وإعلامية. فرغم الظروف الصعبة التي مر بها العراق خلال العقدين الماضيين، يُراد لهذا الحدث أن يعيد طرح بغداد كحاضنة للحوار العربي، ومركز ثقل إعلامي قادر على تنظيم تظاهرات فكرية رفيعة. كما يشكل هذا الاختيار رسالة دعم ضمنية من اتحاد إذاعات الدول العربية لقدرة العراق على استعادة مكانته في المشهد الإعلامي العربي، ولو عبر النوافذ الرسمية.
الإعلام البيئي… بين الخطاب والواقع
رغم أهمية شعار المؤتمر، فإن واقع الإعلام البيئي العربي يطرح الكثير من علامات الاستفهام. ففي كثير من دول المنطقة، لا تزال المؤسسات الإعلامية الرسمية أسيرة أجندات السلطة، تتجنب الخوض في قضايا بيئية تمس مصالح لوبيات اقتصادية أو شركاء دوليين. وهذا ما يجعل الخطاب الإعلامي البيئي – رغم نواياه التوعوية – هشاً، مناسباتياً، ويفتقر إلى الجرأة الاستقصائية.
وإذا كان المؤتمر يهدف إلى “تحويل الإعلام من ناقل للأخبار إلى أداة للتغيير”، فإن تحقيق ذلك يتطلب أولاً رفع سقف الحريات الإعلامية، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام الرسمية وصنّاع القرار، خصوصاً في ما يتعلق بالملفات ذات الطابع البيئي والاقتصادي.
من التوصيات إلى الفعل: التحدي الأكبر
يتوقع أن تخرج الدورة الحالية للمؤتمر بجملة من التوصيات، أهمها:إنشاء وحدات إعلامية بيئية داخل المؤسسات الإعلامية الرسمية وتبسيط المفاهيم العلمية لتصل إلى الجمهور بلغة مفهومة ومؤثرة و كذلك تعزيز التكوين الإعلامي البيئي للصحافيين، خصوصاً في ظل غياب التخصص داخل غرف التحرير الى جانب الاستفادة من التجارب الدولية مع مراعاة خصوصية السياق العربي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة التوصيات، بل في ترجمتها إلى فعل. وهو ما يتطلب إرادة سياسية تُقرّ بأهمية الشفافية البيئية، وتُدرك أن المواطن العربي لم يعد رقماً صامتاً أمام الشاشات، بل طرفاً معنياً بمستقبل الأرض التي يعيش عليها.
المواطن العربي… بين الحاجة للمعرفة والمشاركة الفعلية
في ظل الفوضى المعلوماتية وضعف الثقة بالإعلام الرسمي، يتطلع المواطن العربي إلى معلومات موثوقة، مبسطة دون تسطيح، دقيقة دون تهويل. كما ينتظر من وسائل الإعلام أن تخرج من النمطية التقليدية، لتطلق حملات توعية تفاعلية، وتبني شراكات مع المجتمع المدني، وتُشرك الشباب في مبادرات بيئية واقعية.
خاتمة: هل من أفق لإعلام بيئي عربي مسؤول؟
مؤتمر الإعلام العربي في بغداد هو فرصة ثمينة، لكنه أيضاً اختبار لمدى استعداد المؤسسات الإعلامية العربية – الرسمية منها على وجه الخصوص – للانخراط الجاد في مواجهة التحديات المناخية، التي لم تعد ترفاً فكرياً بل مسألة بقاء.
فإذا كان التضارب الجيوسياسي يعمّق هشاشة المنطقة، فإن الإعلام يمكن أن يكون في المقابل أداة لتقوية الوعي الجمعي، وتشكيل رأي عام ضاغط باتجاه سياسات بيئية أكثر عدلاً وشفافية. لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحرر الإعلام من هواجس الرقابة، وانتصر لقضايا الناس لا لمصالح النخب.

