بقلم: سعيد ودغيرى حسني
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال
لم يكن سهلًا أن أختار أن أواجه هذه الظاهرة بالحروف
كنت أُفضّل أن أكتب عن التمريرات الذكية
عن أهداف تُرسم مثل لوحات في السماء
عن مدربين يحملون الحكمة في أعينهم
لكن هذه المرة
شعرت أن الحبر وحده هو من يستطيع أن يمتص غضبي
أن يهدئ هذا التمزق في داخلي
من رؤية الفرح يتحول إلى فوضى
والنصر يُغتال على يد من يزعمون حب الفريق
أنا الذي كنت فيما مضى
أرتجف حين أشاهد مشاهد الجمهور الإنجليزي القديم
ذاك الذي لُقّب بالهوليغانز
كان يخيفني صراخه الذي يسبق العنف
وحضوره الذي يُرعب الملاعب
ظننت أن أوروبا قد تعلمت الدرس
أنها وضعت حواجز بين الحب والشغب
أنها فهمت أن الكرة لا تحتاج لدماء كي تكون ملتهبة
قمت ببحث واسع
نظرت إلى المدن التي عرفت الشغب ثم تعافت
إلى العواصم التي قررت أن تجعل الاحتفال سلوكًا لا انفجارًا
وجدت أمثلة في اليابان
في أمريكا اللاتينية
في المغرب وتونس والسنغال
حيث الجماهير تعرف أن القميص لا يُكرم بالكسر
بل بالصبر والانضباط
أقنعت قلمي أخيرًا
أن يتخلى عن عادته في اختيار المواضيع الهادئة
أن يغامر ويكتب عن الوجه الآخر للمدرج
أن يصف لا النتيجة
بل الأثر
وأن يسأل، كما أسأل نفسي اليوم
هل نحن فعلاً نحب كرة القدم؟
أم نحب الفوضى التي تختبئ خلفها؟
في الليلة التي انتظرها الباريسيون منذ أن أصبح الحلم ممكنًا
ليلة كانت فيها الكأس أقرب من أي وقت
ليلة امتدت فيها أذرع الجماهير نحو السماء
وحملت معها أصواتًا من شوقٍ طويل
ليلة كان فيها باريس سان جرمان ملك أوروبا أخيرًا
وسقطت إنتر ميلان بلا مجد
5 – 0
خمس نجمات على جبين العاصفة
لكن العاصفة لم تهدأ
بل تحولت إلى نار
إلى شغبٍ أسود
يأكل الضوء الذي انتصر على العشب
في شوارع الشانزليزيه
في ساحة الكونكورد
في حارات الشمال الباريسي
انطلقت موجات من الغضب المختلط بالنشوة
من شبابٍ لا يعرف كيف يحتفل دون أن يحطم
من جموعٍ تظن أن الفرح لا يكتمل دون أن يُداس على النظام
وكأن الفوز في الميدان لا يكفي
بل يجب أن يُترجم إلى عنفٍ في كل الزوايا
هل هذا احتفال؟
أم هو تنفيس لاحتقانٍ طويل؟
هل هو نشوة النصر؟
أم هو قناع لقهرٍ آخر لا يُحكى؟
أسئلة تطرح نفسها كلما سقطت الأعلام من على الأكتاف
وتحولت إلى لهيبٍ في يد مراهق
أو إلى عذرٍ للنهب والتخريب والضياع
قارن هذا بما حدث في مونتيفيديو
عندما فاز “بينارول” على غريمه “ناسيونال”
اشتعلت المدينة… نعم
لكنها اشتعلت بالأغاني
بدموع الكبار الذين انتظروا اللقب خمس سنوات
بأطفال يرفعون قمصان آبائهم
لا بحرق سيارات جيرانهم
انظر إلى أوساكا
حين توّج غامبا بالبطولة الآسيوية
انتظمت الجموع كأنها سمفونية هادئة
حملوا المدرب فوق أكتافهم
وزرعوا الورود في الساحات
ولم يُسجل أي حجر في وجه الشرطة
ولا أية قبضة في وجه الآخر
في الرباط والدار البيضاء
حين تفوز الوداد أو الرجاء أو الجيش الملكي
قد يحتد الشغف
لكن المدينة تعرف الفرق بين هتاف الحياة
وصراخ الخراب
تعرف أن الفوز يولد في الملاعب
لكن الاحتفال يجب أن يعيش في القلوب
لا في جراح العابرين
فرنسا دولة القوانين والأنوار
لكنها أحيانًا تفشل في إنارة ظلالها
تفشل في تربية جمهورٍ يعترف بأن الرياضة لا تنتصر في النتائج فقط
بل في الطريقة التي نُظهر بها فرحتنا
في السلوك الذي نُقدّمه للعالم بعد الصافرة
وفي أن يكون الشارع امتدادًا للملعب
لا نقيضًا له
قتيلان
مئات المعتقلين
مئات الجرحى
والمشهد: لافتة كبيرة تقول “الأبطال”
تحتها أعمدة محترقة وأطفال يبكون على دراجاتهم المكسورة
أي نصر هذا الذي يُخضب بالدم؟
أي انتصار لا يليق به الصمت الجميل بعد الفرحة؟
ربما المشكلة ليست في كرة القدم
بل في المجتمعات التي تبحث عن سبب للانفجار
في شبابٍ يرى في الفوز فرصة ليُخرج كل قهره القديم
في مدنٍ لم تعد تُربّي الجماهير بل تُطلقها كالسكاكين
في منظومة إعلامية تسوّق الشغب على أنه “حماس زائد”
حين يسجل الفريق هدفًا في مرمى الخصم
ويُسجل جمهوره هدفًا في جسد مدينته
فمن المنتصر حقًا؟
وحين تسأل الطفل الذي كان يحلم أن يصبح مبابي
ثم شاهد جاره يُطعن في لحظة انتصار
هل سيبقى الحلم نقيًّا؟
أم سيتحول إلى كابوس باسم “حب الفريق”؟
الرياضة لحظة سامية
لحظة ترتفع فيها الروح فوق الانتماءات
فوق الجنسيات
فوق الجغرافيا
لكنها حين تُختطف
تصبح مرآة مكسورة
نرى فيها وجوهنا القبيحة بدل أن نحتفل بجمال اللعبة
باريس
فزتِ بالكأس
وخسرتِ الشارع
فهل نُصلح ما تبقى من الروح؟

