Le212news.ma
تعيش الزاوية البودشيشية، كبرى الزوايا الصوفية في المغرب وأكثرها انتشاراً داخل البلاد وخارجها، على وقع أزمة غير مسبوقة بعد وفاة شيخها، حيث تتحدث مصادر إعلامية عن صراع محتدم بين الأخوين حول من يتولى الزعامة الروحية والتنظيمية للطريقة.
هذه التطورات تعيد إلى الواجهة مكانة الزاوية التي حظيت، لعقود، بدعم واضح من الدولة، وتوفرت لها موارد وأملاك معتبرة، مما جعلها لاعباً أساسياً في المشهد الديني والاجتماعي. وقد نجحت في استقطاب أعداد كبيرة من المريدين، بينهم نخب فكرية وأكاديمية وحقوقية وسياسية وإعلامية، إلى جانب رجال المال والأعمال الذين شكّلوا قوة تأثير إضافية داخل محيطها.
أدوار خارجية وتأثير عابر للحدود
لم يقتصر إشعاع الزاوية البودشيشية على المغرب، بل امتد إلى بلدان عديدة في أوروبا وإفريقيا وحتى بعض دول آسيا. فقد تحولت إلى مرجعية صوفية بارزة، خصوصاً بين الجاليات المغربية في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، حيث لعبت دوراً في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية وسط مجتمعات الهجرة. كما نظمت ملتقيات دولية للصوفية بالمغرب استقطبت باحثين ومفكرين من مختلف القارات، مما عزز صورتها كزاوية منفتحة على الحوار بين الثقافات والأديان.
كما أن حضورها في بلدان إفريقية جنوب الصحراء مكّنها من لعب أدوار ناعمة في الدبلوماسية الدينية المغربية، من خلال نشر قيم الوسطية والاعتدال، وهو ما جعلها تحظى بقبول واسع لدى السلطات الرسمية في تلك البلدان.
مخاطر الانقسام وسؤال المستقبل
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يشكّل هذا الصراع منعطفاً قد يقود الزاوية نحو التراجع؟
فالمريدون، الذين اعتادوا على صورة زاوية موحدة تُقدّم نفسها كفضاء للذكر والتربية الروحية بعيداً عن الانقسامات، يجدون أنفسهم أمام واقع يكشف عن هشاشة البنية التنظيمية حين تختفي المرجعية الكاريزمية للشيخ.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن ثقل المريدين من المثقفين والأطر المتشبعين بثقافة الحوار قد يشكّل عاملاً لتجاوز الأزمة وضمان الاستمرارية. بينما يعتبر آخرون أن صراع الأخوين قد يفتح الباب أمام إعادة تشكّل الزاوية في اتجاهات غير متوقعة، وهو ما قد يضعف نفوذها الرمزي داخل الحقل الديني المغربي وخارجه.
وبين التفاؤل بقدرة الزاوية على تجاوز محنتها والقلق من دخولها مرحلة الانحدار، يبقى السؤال معلقاً: هل ستنجح الزاوية البودشيشية في الحفاظ على وحدتها ومكانتها كأكبر زاوية صوفية في المغرب وصوت مؤثر في المشهد الصوفي العالمي، أم أن أزمة الخلافة ستكرّس بداية تراجعها؟.
