إلى أين سيأخذنا: من البصير إلى المبصر؟
عبد الكريم مومن، نيويورك/ Le212News.ma
في عالم يتغير بسرعة الضوء، وتتشابك فيه الحدود بين الخيال العلمي والتطبيقات الطبية المتقدمة، يطل رجل واحد يشغل العالم بمشاريعه وأفكاره الجريئة: إيلون ماسك. من السيارات الكهربائية والصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام إلى الإنترنت الفضائي، وصولا إلى زرع رقائق إلكترونية في الدماغ، يبقى السؤال القديم جديدا:
هل هو عبقري يعيد تشكيل مستقبل البشرية؟ أم ساحر بشعر يداعبه الليل ومتبوع بطموحات تتحدى المستحيل؟
مجنون العصر
أتى بمشروع يمس جوهر الإنسان: إستعادة البصر عبر شريحة دماغية ثورية تحت اسم Blindsight من شركة Neuralink.
ثورة أم تضليل؟ تقنية تعيد الأمل إلى الذين فقدوا نور أعينهم
لعقود طويلة، ظلت فكرة استعادة البصر عبر الوسائل الإلكترونية حلما محصورا في المختبرات الجامعية. لكن Neuralink قلبت الطاولة حين أعلنت في 2024 حصولها على تصنيف Breakthrough Device من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، مما يعني فتح الباب لتجارب إنسانية على تقنية تعد بمنح رؤية جديدة لمن فقدوها حتى لمن لم تعد لديهم أعين أو أعصاب بصرية، شرط أن تكون القشرة البصرية سليمة.
الفكرة تبدو أقرب لمعجزة:
كاميرات خارجية ترسل الإشارات مباشرة إلى الدماغ، متجاوزة العين والعصب البصري كليا.
لكن لدى العلماء تحفظات: الرؤية الأولى المتوقعة ستكون بدائية، منخفضة الدقة، تشبه رسومات الألعاب القديمة. ليست ألوانا، ولا تفاصيل وجوه، بل ظلالا ونقاطا مضيئة… بداية طريق طويلة قد تمتد سنوات.
كم كلف الطريق إلى المعجزة؟
على الرغم من غياب أرقام رسمية دقيقة، تشير التقارير إلى أن Neuralink جمعت أكثر من 650 مليون دولار في جولات تمويلية، مع تقديرات بأن الاستثمار الإجمالي في أبحاث التكنولوجيا العصبية يتجاوز المليار دولار.
عمليات الزرع التجريبية نفسها قد تتراوح تكلفتها بين 10,000 و50,000 دولار للمريض الواحد، فيما تسعى الشركة إلى تخفيضها مستقبلا إلى بضعة آلاف فقط، بعد توسيع الإنتاج وتطوير الروبوتات الجراحية الخاصة بها.
تكاليف باهظة؟ ربما.
لكن ماذا تعني الأموال أمام العودة إلى رؤية وجه طفل، أو قراءة كتاب، أو التنقل دون عصا؟
من البصير إلى المبصر أمل يولد من رماد المستحيل
قد لا تعيد التقنية الرؤية الطبيعية قريبا، لكنها تفتح بابا جديدا في عالم كان مغلقا تماما. هناك ملايين حول العالم ممن فقدوا البصر بسبب الجينات أو الإصابات أو الأمراض. بالنسبة لهم، حتى رؤية نقاط مضيئة قد تكون بداية لثورة شخصية قبل أن تكون ثورة علمية.
إنها ليست معجزة بعد، بل خطوات أولى في طريق طويل.
طريق بدأته شركات من قبل، لكنه اليوم يقف على عتبة جديدة بفضل التمويل الضخم، الروبوتات الجراحية الدقيقة، والجرأة الهائلة التي تميز مشاريع ماسك.
إيلون ماسك شغف لا يهدأ
ما يجعل ماسك حالة خاصة ليس فقط مشاريعه المتقدمة، بل قدرته على دفع العالم رغما عنه نحو التفكير في ما وراء حدود العلم التقليدي. البعض يصفه بالعبقري الذي يسرع عجلة الحضارة، والبعض يراه ساحرا حداثيا يجيد عرض أحلام مستقبلية بتفاصيل تكاد تبدو حقيقة.
لكن مهما اختلفت الآراء، يبقى مؤكدا أن مساهمته في تقنية زرع الدماغ تضعنا أمام سؤال جديد:
هل سيأتي يوم يتحول فيه الإنسان من كائن محدود الحواس إلى كائن قادر على استبدال أو ترقية عيوب جسده بالتكنولوجيا؟
اليوم نتحدث عن استعادة البصر.
غدا ربما عن تعزيز الذاكرة.
وبعد غد من يدري؟
إلى أين يأخذنا (بحماقاته العلمية)؟
إذا كانت بداية القرن العشرين هي عصر الكهرباء، وبداية القرن الحادي والعشرين هي عصر الإنترنت، فقد يكون خمسينيتنا المقبلة عصر الدماغ التكنولوجي حيث يصبح الإنسان قادرا على استعادة حواسه، أو تعديل قدراته، أو توسيع إدراكه.
لن يكون ذلك غدا ولا بعد غد، لكنه قادم.
وإيلون ماسك عبقريا كان أم ساحرا يقف اليوم في مقدمة من يرسم هذا الطريق.

