كتب / أحمد أكلكيم
في زمن تتسارع فيه التحولات ويبحث فيه الجميع عن بصمته في عالم الإعلام، يبرز اسمٌ لا يحتاج إلى الكثير من التعريف: محمد الدلاحي، الصحافي الشرفي الذي بصم مسيرة المحطة الجهوية للتلفزة بالدار البيضاء لأزيد من عقدين و نصف من العطاء المتواصل، والالتزام المهني، واحترام أخلاقيات المهنة.
محمد الدلاحي ليس مجرد صحافي عابر في مشهد إعلامي متغير؛ بل هو واحد من أولئك الجنود الذين اشتغلوا في صمت، وتركوا فرقاً واضحاً في كل المهام التي كُلّفوا بها. اشتغل على تغطية أهم الأحداث الوطنية والدولية، الاقتصادية منها والثقافية والاجتماعية، وأبدع في إنجاز ريبورتاجات وتحقيقات جابت مختلف المدن المغربية، مسلطاً الضوء على قضايا ووجوه وملفات كانت تحتاج لمن ينقلها للمتلقي بصدق وحرفية.
ينحدر الزميل الدلاحي من مدينة خريبكة، المدينة التي تصنع رجالها من معدن الفسفاط الصلب، وهو المعدن ذاته الذي بدا واضحاً في شخصيته: صلابة في المبدأ، وهدوء في الطبع، ورصانة في التعاطي مع العمل الصحافي. هو زوج وأب قبل كل شيء، إذ يشكل إلى جانب أسرته الصغيرة—حرمه المصون وابنته الزميلة الدلاحي خولة وابنه الدلاحي إلياس المقيم بالديار الفرنسية—نموذجاً لأسرة مغربية متشبثة بقيم العمل والانتماء والاحترام.
علاقتي بالزميل محمد الدلاحي ليست مجرد علاقة مهنية. لقد جمعتني به صاحبة الجلالة الصحافة في لحظات عمل مضنية، ومسؤوليات جسام، حين كنت أدير المحطة الجهوية للتلفزة بالدار البيضاء. كان الدلاحي حينها مثلما عرفته دائماً رجل مسؤول، هادئ، منضبط، يهوى مهنة الصحافة حد الشغف، ويمنحها من وقته وصحته وطاقته دون كلل ولا ضجر.
ولم يكن عطاؤه مقتصراً على إنجاز التقارير ومواكبة الأحداث، بل كان أيضاً مؤطِّراً وموجِّهاً لعدد كبير من الأجيال التي التحقت بالتلفزة المغربية. كثيرون اليوم ممن يشتغلون في مؤسسات إعلامية وطنية وجهوية يدينون للرجل بجزء من تكوينهم الأول، وبنصائح صادقة كانت سبباً في نجاحهم واستمرارهم.
تكريم محمد الدلاحي ليس مجرد التفاتة لشخص، بل هو احتفاء بجيل كامل من الصحافيين الذين بنوا ذاكرة الإعلام العمومي بجهدهم وتفانيهم. هو تكريم لروح المهنية التي نفتقدها اليوم، وللقيَم التي يُعتبر الدلاحي واحداً من أوفى حَمَلتها: الصدق، الانضباط، احترام المهنة، وخدمة المتلقي.
إن الحديث عن محمد الدلاحي ليس مجرد استرجاع لذكريات جميلة أو إشادة بتجربة مهنية، بل هو أيضاً درس في الوفاء للمسار والمسؤولية. لذلك، فإن الاحتفاء به اليوم هو احتفاء بكل ما هو جميل في الصحافة، وبكل من جعل من الكلمة رسالة، ومن الصورة شهادة، ومن المهنة قدراً اختاره بإرادته وواجه تحدياته بشجاعة.

تحية تقدير وامتنان للزميل محمد الدلاحي وتحية لكل من جعل من الصحافة مرآة صادقة لوطن يستحق منّا الكثير ،و تحية تقدير و احترام للزميلات و الزملاء في منتدى الصحفيات و الصحفيين الشرفين بالمغرب الذين نظموا هذا الحفل التكريمي يوم الجمعة 14 نونبر 2025، على شرف 18 صحافيا شرفيا، ممن تركوا بصمتهم في المشهد الإعلامي في بلادنا.

