أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن النقاش الدائر حول عقوبة الإعدام بالمغرب “يندرج في إطار حوار وطني معمق يجري بروح المسؤولية والانفتاح”، بمشاركة المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين والقضاة والأكاديميين، إلى جانب مكونات المجتمع المدني.
وجاء ذلك في كلمة ألقاها،اليوم، خلال أشغال الدورة التاسعة للمؤتمر الدولي حول إلغاء عقوبة الإعدام، حيث أكد أن هذا اللقاء يشكل فرصة لتبادل الرؤى بشأن قضية تثير نقاشاً عميقاً حول العدالة والكرامة الإنسانية والحق في الحياة.
وأوضح وزير العدل أن قضية عقوبة الإعدام تشكل بدورها محور نقاش وطني معمق بالمغرب، يدار “بروح من المسؤولية والانفتاح”، مع احترام تعدد الحساسيات والمرجعيات داخل المجتمع المغربي، مشيراً إلى أن هذا النقاش يشارك فيه مختلف الفاعلين، من مؤسسات دستورية وفاعلين سياسيين ورجال القضاء وجامعيين ومنظمات المجتمع المدني.
وأضاف أن هذا النقاش يندرج ضمن الإصلاحات الكبرى التي انخرطت فيها المملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، والهادفة إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز ضمانات الحقوق والحريات الأساسية، والارتقاء بمنظومة عدالة عصرية وناجعة تحترم حقوق الإنسان.
واستحضر الوزير الرسالة الملكية الموجهة سنة 2014 إلى المشاركين في الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش، والتي أشاد فيها الملك بالنقاش الدائر حول عقوبة الإعدام، معتبراً أنه سيمكن من “إنضاج وتعميق التفكير في هذه الإشكالية”.
وأكد وزير العدل أن المغرب اختار اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على الحوار والتشاور والتطور المتدرج للمعايير القانونية والممارسات القضائية، مبرزاً أن المملكة لم تنفذ أي حكم بالإعدام منذ سنة 1993.
واعتبر أن هذا الوضع لا يمثل مجرد وقف فعلي لتنفيذ العقوبة، بل يجسد ثمرة مسار متواصل لإصلاح منظومة العدالة، ويعكس إرادة سياسية واضحة وثابتة لتعزيز الضمانات المرتبطة بالحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية.
وأشار إلى أن هذا التوجه واكبته إصلاحات تشريعية ومؤسساتية استهدفت التقليص التدريجي لنطاق تطبيق عقوبة الإعدام، وتعزيز الضمانات الإجرائية، وتوطيد آليات الرقابة القضائية والعفو، فضلاً عن التفاعل الإيجابي مع آليات حقوق الإنسان الدولية والمشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل هذه العقوبة.
وفي هذا السياق، أبرز أن المغرب جسد هذه المقاربة أيضاً من خلال تصويته سنة 2024 لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى إقرار وقف عالمي لتنفيذ عقوبة الإعدام.
وشدد وزير العدل على أن مسألة عقوبة الإعدام لا تزال تطرح إشكاليات معقدة تستوجب التحلي بالحكمة والانخراط في الحوار والبحث عن حلول متوازنة، مؤكداً أن اختلاف المقاربات الوطنية لا يحول دون تقاسم الهدف المشترك المتمثل في بناء أنظمة عدالة تحمي المجتمع وتكفل حقوق الضحايا وتصون الكرامة الإنسانية.
وأضاف أن المملكة تظل مقتنعة بأن أكثر أوجه التقدم رسوخاً هي تلك التي تنبثق من الحوار وتبادل الخبرات والتعاون الدولي، داعياً إلى الحفاظ على فضاءات التشاور وتعزيز جسور التواصل بين الأمم والثقافات.
وفي هذا الإطار، أعلن استعداد المغرب الكامل لاستضافة الدورة المقبلة للمؤتمر الدولي، مؤكداً أن المملكة تضع رهن إشارة المجتمع الدولي تجربتها والتزامها وتقاليدها الراسخة في الحوار، بما يسهم في تعزيز قيم العدالة واحترام حقوق الإنسان والتفاهم المتبادل.
كما وجه دعوة إلى الدول والمنظمات الدولية وفاعلي المجتمع المدني للمشاركة في الدورة المقبلة بالمغرب، واصفاً المملكة بأنها ملتقى بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وفضاء لتلاقي الحضارات والثقافات والأديان، وأرض للتسامح والانفتاح والتعايش.
وفي ختام كلمته، استحضر وزير العدل ذكرى الراحل روبير بادينتر، معتبراً أنه سيظل اسماً مرتبطاً بالنضال الإنساني من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، مستذكراً لقاء جمعه به قبل أكثر من عقد، ومشيراً إلى ما كان يكنه من تقدير للمغرب ولجلالة الملك محمد السادس وللإصلاحات التي تعرفها المملكة في مجال حقوق الإنسان، معتبراً أنه كان سيثمن ما تحقق من تقدم وما يطبع هذا المؤتمر من روح الحوار والانفتاح.

