Le212news.ma ليس من قبيل الصدفة أن يشهد قطاع الاتصال السمعي البصري في المغرب، خلال الأسابيع الأخيرة،حركية مؤسساتية لافتة، تزامنت مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة. فاللقاءات التي جمعتوزير الشباب والثقافة والتواصل بمسؤولي القطاع، والاجتماعات التي عقدتها الهيئة العليا للاتصالالسمعي البصري، وكذا اللقاءات التي احتضنتها جمعية الإذاعات والقنوات التلفزية الخاصة، لا يمكنقراءتها باعتبارها مجرد اجتماعات إدارية أو تنظيمية، بل هي مؤشرات على دخول المغرب مرحلة الإعدادالإعلامي لاستحقاق سياسي ستكون له انعكاسات على مستقبل المشهد الديمقراطي برمته. فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح مكاتب التصويت، وإنما تبدأ لحظة انطلاق بناء المجال العمومي الذيستتفاعل داخله الأحزاب، والمؤسسات، والإعلام، والمواطنون. والإعلام، في هذه المرحلة، لا يقوم فقطبوظيفة نقل الوقائع، بل يصبح أحد الفاعلين في إنتاجها، وصناعة معانيها، وتوجيه النقاش الذي يسبقها. لقد أثبتت التجارب الديمقراطية المعاصرة أن وسائل الإعلام السمعية البصرية لم تعد مجرد ناقل محايدللمعلومات، وإنما أصبحت مؤسسة اجتماعية تؤثر في إدراك المواطنين للواقع السياسي، وفي ترتيبأولوياتهم، وفي بناء الثقة أو إنتاج الشك تجاه المؤسسات والفاعلين السياسيين. ومن هنا، فإن السؤالالحقيقي الذي ينبغي أن يرافق الاستعدادات الجارية لا يتعلق بعدد البرامج الانتخابية التي ستبثهاالقنوات والإذاعات، ولا بحجم الحيز الزمني المخصص لكل حزب، وإنما يتعلق بمدى قدرة الإعلامالمغربي على إنتاج نقاش عمومي يساعد المواطن على الاختيار الواعي، بعيدا عن منطق الإثارةوالاستقطاب. إن المقاربة السوسيو-إعلامية تضعنا أمام حقيقة أساسية مفادها أن الإعلام لا يؤثر فقط فيما يفكر فيهالمواطن، بل يؤثر أيضا في الطريقة التي يفكر بها. فاختيار القضايا، وترتيب الأخبار، واستضافة الخبراء،وإدارة المناظرات، كلها عمليات تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في العمق تمثل آليات لإنتاج المعنىالسياسي داخل المجتمع. وإذا كان الإعلام العمومي في بلادنا مطالبا، بحكم رسالته الدستورية، بضمان التعددية والإنصاف وتكافؤالفرص، فإن الإعلام الخاص أصبح بدوره جزءا من المسؤولية الوطنية، بعدما تحول إلى فاعل مؤثر فيتشكيل الرأي العام، ولم يعد مجرد منافس اقتصادي في سوق الإشهار. فنجاح الانتخابات المقبلة لنيقاس فقط بجودة التنظيم الإداري، بل أيضا بجودة البيئة الإعلامية التي ستحتضنها. غير أن ما يميز الانتخابات المقبلة عن سابقاتها هو أنها ستجري داخل فضاء إعلامي مختلف تماما. فالتلفزيون والإذاعة لم يعودا يحتكران صناعة الرأي العام، بعدما انتقلت نسبة كبيرة من النقاشالسياسي إلى شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تتقاطع الأخبار مع التعليقات، والمعلومات مع الإشاعات،والتحليلات مع حملات التأثير المنظمة. لقد أصبح المواطن المغربي يعيش ما يمكن تسميته بـ”الازدواجية الإعلامية”. فهو يتلقى الخبر من شاشةالتلفزيون، ثم يعود إلى هاتفه الذكي ليعيد تفسيره من خلال ما يتداوله رواد المنصات الرقمية. وفي كثيرمن الأحيان، يصبح التأثير الحقيقي خارج الاستوديوهات، حيث تتحكم الخوارزميات في ترتيب المحتوى،وتنتشر المقاطع القصيرة بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية على التصحيح أو التوضيح. وهنا تبرز إحدى أكبر التحديات التي ستواجه الإعلام المغربي خلال هذه الانتخابات. فالمنافسة لم تعدبين الأحزاب فقط، وإنما أصبحت أيضا بين الإعلام المهني والمحتوى غير المهني، وبين المعلومة الموثقةوالمعلومة الموجهة، وبين الصحافي الذي يخضع لقواعد المهنة، وصانع المحتوى الذي لا تحكمه فيأحيان كثيرة سوى منطق المشاهدات والتفاعل. إن المطلوب اليوم ليس فقط إعلاما يضمن التعددية، وإنما إعلام قادر على تفسير البرامج السياسية،وتبسيط الرهانات الاقتصادية والاجتماعية، وكشف الأخبار الزائفة، ومساعدة المواطن على التمييز بينالوقائع والدعاية. كما أن المطلوب من الفضاء الرقمي أن يتحول من ساحة للاستقطاب والانفعال إلىفضاء للنقاش المسؤول، وهي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات، والمنصات، ووسائل الإعلام،والمجتمع المدني، والجامعة. إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقاته التشريعية المقبلة، يملك فرصة حقيقية للانتقال من مفهوم“التغطية الإعلامية للانتخابات” إلى مفهوم أكثر حداثة، هو “الحكامة الإعلامية للعملية الانتخابية”. ففيهذا التصور، لا يصبح الإعلام مجرد شاهد على الانتخابات، بل أحد الضمانات الأساسية لنزاهتها، منخلال إنتاج المعرفة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الثقة، وحماية حق المواطن في الوصول إلى معلومةدقيقة ومتوازنة. ففي النهاية، قد تختلف نتائج الانتخابات، وتتغير الأغلبية والمعارضة، لكن ما ينبغي أن يبقى ثابتًا هووجود إعلام وطني مهني، يجعل من الديمقراطية ثقافة يومية، لا موسما انتخابيا عابرا، ومن حق المواطنفي المعرفة حجر الزاوية في كل ممارسة ديمقراطية حقيقية.