بقلم الشاعر: سعيد ودغيري حسني
أنا فاطمة بن فضيلة
شاعرة تونسية
كتبت عمري كما يُكتب الجرح
بحبرٍ يشبه الدم
وابتسامة لا يشوبها خوف
مررتُ من هناك
من غرفة العمليات
من ممرات المستشفى
من رائحة المصل
والضمادات
ورقاب الأطباء المنحنية
لكنني لم أنحنِ
قال لي الطبيب
علينا أن نبتر الثدي
لكن حتى لو فعلنا
سينتقل السرطان إلى مكان آخر
فابتسمت
قلت له
هذا خبر جميل
سأحتفظ بكلمات ثديي
وسأكتب بها ما تبقى من المعركة
أنا لم أقاوم المرض فقط
قاومتُ نظرتكم
أسئلتكم الصامتة
عيونكم التي تفحصني دون أن تلمسني
ولمستكم التي تجرحني دون أن تقول شيئًا
أنا لم أُخلق لأكون كاملة في أعينكم
أنا كاملة كما أنا
بثدي مبتور
أو بجرح مفتوح
أو بندبة تقول اسمي حين أنسى من أكون
كتبت ديواني الأخير
حمالة صدر بعين واحدة
لأنني لم أرد أن أرتدي ما يُرضيكم
أردت أن أرتدي صدقي
أردت أن أرفع القصيدة فوق جسدي
لا لأغطيه
بل لأكشفه كما هو
بلا رتوش
بلا حرج
بلا أكاذيب
أنا ابنة تونس
وأنا أمّ لقصائد لا تشبه أحدًا
أنا ثدي لم يُبتر
لأنه يعرف كيف يُقاوم
أنا صدرٌ كتب بدل أن يُقطع
أنا القصيدة التي لم تُخجلني
حتى في قاعة الانتظار
حتى وأنا أفقد شعري
حتى وأنا أخفي الدموع عن أطفالي
أنا قلت لا
للسكين
وللصمت
ولكل من يريدني صورة بلا معنى
وجسدًا بلا صوت
أنا رحلت
لكنني تركت ندبتي على الورق
وتركت دمي في الحبر
وتركت ظلي في كل امرأة تنجو
وفي كل شاعرة تكتب بثديي
أنا فاطمة
وهذا جسدي
وهذه كلماتي
وهذا انتصاري الذي لا يُرى في الأشعة
لكن يُسمع في كل قصيدة

