كتب / أحمد أكلكيم
يواصل الباحث في التراث المحلي للحضرة السوسية، الأستاذ إبراهيم الياسيني، مشروعه العلمي الرامي الى إحياء الذاكرة التاريخية لجهة سوس، من خلال إصدار جديد يسلط الضوء على شخصية منالشخصيات التي كان لها أثر بالغ في تاريخ المنطقة، ويتعلق الأمر بالشيخ أحمد بن مبارك الأقاوي، أحدأبرز أعلام الأسرة الجعفرية الطاهرة، ورمز من رموز المقاومة الروحية والاجتماعية خلال مرحلة دقيقة منتاريخ المغرب.
ويأتي هذا العمل ليعزز الرصيد البحثي للياسيني، المعروف باهتمامه بالتاريخ المحلي، بعد مساهمته ، إلى جانب عدد من الفعالياالثقافيةالرودانية،فيالمؤلف الجماعي “ذاكرة تارودانت” بجزأيه الأول والثاني، وإصداره السابق “كتاب تارودانت. تاريخ حكمه الصور”، الذي قرأ تاريخ المدينة من خلال أرشيفها الفوتوغرافي.
ويكشف المؤلف الجديد عن جانب مهم من سيرة الشيخ الأقاوي، الذي ينسب إليه دور محوري فيالتصدي للغزو البرتغالي للسواحل المغربية، والإسهام في الحفاظ على توازن المجتمع السوسي خلالفترة اتسمت بضعف السلطة المركزية، وذلك من خلال الزاوية التي أسسها مع مطلع القرن العاشرالهجريالسادس عشر الميلادي، والتي تحولت إلى فضاء للإصلاح والتأطير الروحي، وأسهمت في تهيئةالظروف التي مهدت لقيام الدولة السعدية، إحدى أقوى الدول التي حكمت المغرب .
الزاوية الأقّاوية… حين تتحول سيرة زاوية إلى تاريخ منطقة بأكملها
لا تبدو القراءة الأولى لفهرس هذا الكتاب مجرد استعراض لعناوين الفصول، بل تكشف عن مشرو ع علمي متكامل يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة منطقة “آقا” والزاوية المباركية الأقّاوية من مختلف الزوايا الممكنة . فمنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه أمام عمل يتجاوز منطق المناقب التقليدية إلى كتابةتاريخ مؤسسة دينية كان لها حضورها العلمي والسياسي والاجتماعي في الجنوب المغربي.
ويكشف الفهرس عن هندسة دقيقة في بناء المادة العلمية؛ إذ يبدأ المؤلف بتثبيت الإطار المجالي عبرتقديم الموقع الجغرافي للزاوية المباركية، باعتباره مدخلاً لفهم العلاقة بين المكان وصناعة التاريخ، ينتقل إلى ترجمة مؤسسها الشيخ أحمد بن بمبارك الأقّاوي، متتبعاً أصوله ونسبه ونشأته وتكونه العلمي و شيوخه وتلامذته وشخصيته، وصولاً إلى شهادات العلماء والرحالة وكراماته كما حفظتها الذاكرةالمحلية والمصادر التاريخية.
ولا يقف الكتاب عند حدود السيرة الفردية، بل يوسع دائرة البحث لتشمل الامتداد الأسري للشيخ،مستعرضاً أبناءه وأحفاده ودورهم في استمرار الإشعاع العلمي والروحي للزاوية، في تأكيد واضح على أنالمؤسسة لم تكن مرتبطة بشخص المؤسس فقط، وإنما تشكلت داخل نسق عائلي وعلمي متواصل.
وتبرز القراءة الأفقية للفهرس انتقالاً منهجياً من الإنسان إلى المؤسسة؛ إذ يخصص المؤلف محوراً كاملاً لتأسيس الزاوية الأقّاوية وظروف نشأتها، متناولاً الرؤساء الذين تعاقبوا على إدارتها، وعلاقتها بالمخزن،والسياق السياسي الذي سبق ظهورها وما تلاه، فضلاً عن الأدوار الدينية والاجتماعية والسياسية التياضطلعت بها داخل مجال سوس والصحراء.
وفي مستوى آخر، يكشف الفهرس أن المؤلف لم ينظر إلى الزاوية باعتبارها فضاء للتربية الروحية فقط،بل باعتبارها مركزاً للإنتاج العلمي؛ إذ أفرد فصولاً للإشعاع العلمي، وخزانة الزاوية، والأسر العلمية بآقا،والعلماء والفقهاء والقضاة الذين وفدوا إليها أو تخرجوا منها، وهو ما يمنح الكتاب قيمة خاصة بالنسبةللباحثين في تاريخ الحركة العلمية بالجنوب المغربي.
أما القسم الأخير، فيمثل قراءة في تحولات المنطقة نفسها؛ حيث يرصد تراجع أدوار الزاوية وما عرفتهمن أزمات ومجاعات وحروب ونزاعات، ويتوقف عند محطات تاريخية مفصلية مثل واقعة آقا سنة1150هـ، ومعركة أكامو سنة 1225هـ، والهجوم على مدشر أكدير أوزرو، ثم ظهور الزاوية التيمكيدشتيةوقدوم الأسرة العلمية البنائية الفاسية، بما يجعل الكتاب يؤرخ لتحولات مجتمع بأكمله، لا لمؤسسةواحدة فقط.
ومن خلال هذا البناء المتدرج، يبدو واضحاً أن المؤلف اختار أن يجعل من الزاوية الأقّاوية مدخلاً لقراءةتاريخ المجال، وأن يحول الفهرس نفسه إلى خريطة معرفية تنتقل بالقارئ من الجغرافيا إلى الإنسان،ومن الإنسان إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى التاريخ العام.
إنه كتاب يجمع بين التحقيق التاريخي والتوثيق الميداني واستنطاق الذاكرة المحلية، ويقدم إضافةنوعية للمكتبة المغربية، ليس فقط لأنه يوثق لتاريخ الزاوية المباركية الأقّاوية، وإنما لأنه يعيد الاعتبارلجزء مهم من تاريخ الجنوب المغربي، ويؤكد أن تاريخ الزوايا هو، في جوهره، تاريخ للمجتمع والدولةوالعلم والعمران .

