بقلم عبد الكبير توري
لم تعد قضايا الشباب في نزاع مع القانون مجرد أحداث معزولة تستهلك إعلاميا في لحظتها، بل أضحت موضوعاً مجتمعياً معقداً يطرح أسئلة حقيقية حول العدالة، والإنصاف، ودور الإعلام في تشكيل الرأي العام. في هذا السياق، احتضن المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية بسلا الجديدة – تكنوبوليس، خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 26 أبريل 2026، دورة تكوينية لفائدة الإعلاميين وصناع المحتوى تحت عنوان MEDIA CHAMPIONS، وذلك في إطار مشروع “تأهيل: نحو عدالة بديلة للأحداث في المغرب”، الذي تقوده جمعية شباب من أجل شباب ضمن برنامج “من أجل عدالة أكثر حماية وولوجا وفعالية بالمغرب (MA-JUST)” الممول من طرف الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا.
في هذا الإطار، لم تكن الدورة مجرد محطة لتقوية المهارات التقنية في مجال الإعلام وصناعة المحتوى، بل شكلت فضاء لإعادة التفكير في كيفية تناول قضايا الشباب في نزاع مع القانون، والانتقال من منطق الإثارة والاختزال إلى مقاربة أكثر مهنية وإنصافا. فالتغطيات الإعلامية السائدة غالبا ما تقع في فخ الصور النمطية، حيث يتم تقديم هؤلاء الشباب في قالب جاهز يختزلهم في الخطأ، دون استحضار السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بتجاربهم، وهو ما يساهم في تكريس الوصم بدل دعم مسارات إعادة الإدماج.
وفي مقابل هذا الواقع، برزت خلال أشغال هذه الدورة مقاربة العدالة البديلة كأفق جديد للتعامل مع هذه القضايا، تقوم على الإصلاح ومنح الفرصة الثانية، بدل الاقتصار على العقاب. هذا التحول لا يهم فقط الفاعلين في منظومة العدالة، بل يضع الإعلام في صلب هذا الورش، باعتباره فاعلاً مؤثراً في بناء التصورات المجتمعية. ومن هنا، ركز التكوين على تفكيك الخطاب الإعلامي السائد، وتحليل تمثلاته، إلى جانب الاشتغال على أدوات السرد الصحفي والرقمي، بما يتيح إنتاج محتوى متوازن يحترم الكرامة الإنسانية ويتجنب التبسيط المخل.
وفي السياق نفسه، تميزت المقاربة المعتمدة بطابعها التفاعلي، حيث جمعت بين التأطير النظري والورشات التطبيقية، ما أتاح للمشاركين فرصة إعادة النظر في اختياراتهم التحريرية، سواء من حيث زاوية المعالجة أو طريقة بناء القصة الصحفية والتعامل مع المصادر. كما شكل تأطير الأستاذة كريمة غانم، رئيسة المركز الدولي للدبلوماسية وخبيرة في التواصل الرقمي والسياسات العمومية المرتبطة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، وكذا ثلة من الخبراء والمتخصصين من قبيل الدكتور سعيد خمري، قيمة مضافة حقيقية لأشغال الدورة، من خلال إغناء النقاش وفتح آفاق أوسع لفهم تقاطعات الإعلام مع قضايا العدالة وإعادة الإدماج.
وارتباطا بما سبق، فإن الرهان الذي تحمله مثل هذه المبادرات يتجاوز حدود التكوين الظرفي، ليطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الإعلام اليوم. فبين إعلام يكتفي بنقل الوقائع، وآخر يسهم في تفسيرها وتأطيرها، تبرز الحاجة إلى ممارسة إعلامية واعية، قادرة على الموازنة بين حق الجمهور في المعلومة وحق الأفراد في الكرامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئات هشة تحتاج إلى الدعم أكثر من الإدانة.
بهذا المعنى، تندرج تجربة MEDIA CHAMPIONS ضمن دينامية تروم إرساء إعلام أكثر مسؤولية وإنسانية، يواكب التحولات التي يعرفها مجال العدالة بالمغرب، ويساهم في بناء خطاب بديل يضع إعادة الإدماج في صلب المعالجة الإعلامية. فالقضية لم تعد فقط كيف ننقل الخبر، بل كيف نرويه، وبأي وعي، ولأي أثر.

