نيويورك / عبد الكريم مؤمن
ذات مرة سنة 2018، زارني والدي بأمريكا، وكانت عادتنا أن نأخد جولة بالسيارة بعد العصر، ثم نتوقف ونتمشى بين المروج والأحراش، وأثناء حصة المشي نجادل بعضنا البعض، وجربت مرة إستفزاز والدي وسألته: ما رأيك في الملك؟
توقف قليلا وأخد لحظة تفكير وكان جوابه: لكي ألخص عليك الأمر، الملك هو حنا وحنا هما الملك، إنها علاقة الجسد والروح، وعندما يستحيل الفصل بينهما، يستحيل وصف العلاقة. إنتهى كلامه.
في قلب الهوية المغربية، لا يُعدّ العرش مجرد نظام حكم أو سلطة سياسية، بل هو جزء لا يتجزأ من النسيج الروحي والثقافي للأمة. هذه العلاقة العميقة، التي تتجاوز المفاهيم التقليدية للحكم، تتلخص في مقولة والدي المختصرة والخالدة: الملك هو حنا، وحنا هما الملك. إنها ليست مجرد عبارة جد وطنية، بل هي رؤية وجودية تعكس ارتباطاً فريداً يجمع بين العرش والشعب في كيان واحد لا يمكن فصله.
إن وصف هذه العلاقة كـالجسد والروح هو أكثر الأوصاف دقة. فكما أن الجسد لا يستقيم دون الروح، والروح لا تتجسد دون الجسد، فإن الشعب المغربي والعرش العلوي يمثلان وحدة متكاملة. هذا الارتباط ليس مبنياً على القوة أو الإلزام، بل على إجماع تاريخي ووجدان مشترك، حيث يرى كل فرد من أفراد الشعب نفسه جزءاً من مشروع الملك، ويرى الملك نفسه في خدمة شعبه.
هذا المفهوم الفريد يفسر الكثير من جوانب المشهد السياسي والاجتماعي في المغرب. ففي لحظات الأزمات والتحديات، يلتف الشعب حول العرش بشكل تلقائي، ليس بدافع الخوف، بل انطلاقاً من إحساس عميق بأن مصيرهم ومصير ملكهم واحد. في المقابل، يمثل العرش الضامن للاستقرار والوحدة، والحامي لتراث الأمة وهويتها.
إن مقولة المستحيل غير قابل للنقاش التي ذكرها والدي، تلخص جوهر هذه العلاقة. إنها تؤكد أن أي محاولة للفصل بين الشعب والملك هي مهمة مستحيلة، لأنها تتعارض مع طبيعة الوجود المغربي نفسه. هذا الترابط ليس شعاراً يُرفع في المناسبات الوطنية فقط، بل هو مبدأ متجذر في عقول وقلوب المغاربة، يُورث من جيل إلى جيل، ويُعتبر حجر الزاوية في بناء دولة حديثة متماسكة تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل.
وذات مرة تناقشت مع مجموعة من الديبلوماسيين الغربيين في مأدبة عشاء حول هذا الأمر، وقلت لهم دائما إن أسهل طريق لفهم شعب معين والوصول لتحليل العلاقة معه هو معرفة مفتاح العلاقة، العلاقة مع المغرب مفتاحها في كرسي العرش.

