في مدينة تارودانت، حيث تتجاور الذاكرة الشعبية مع التحولات الاجتماعية المتسارعة، برز اسم علي الداه كواحد من الأصوات الإبداعية التي اختارت أن تنصت إلى ما يجري في الهامش أكثر مما تنشغل بما يحدث في المركز. فهو ليس مجرد كاتب مسرحي أو سيناريست، بل حالة ثقافية خاصة تشكلت عند تقاطع التجربة الإنسانية مع حساسية فنية استثنائية جعلته قادراً على تحويل التفاصيل المنسية إلى مادة للإبداع.
يصعب فهم عالم علي الداه دون العودة إلى بداياته الأولى. فقد وُلد في هامش مدينة تارودانت، وسط بيئة صحراوية بسيطة، داخل فضاء “العزيب” الذي ظل حاضراً في ذاكرته وفي الكثير من كتاباته. كما أن تعرضه لحادثة في طفولته أثرت على حركته الجسدية ترك أثراً عميقاً في نظرته إلى العالم والناس. من هنا ربما يمكن تفسير ذلك الانحياز الدائم نحو الشخصيات المنسية والمهمشة، ونحو الإنسان الذي يعيش خارج دوائر الضوء.
هذا الوعي المبكر بالهامش لم يتحول عند علي الداه إلى خطاب احتجاجي مباشر، بل إلى مشروع فني قائم على السخرية والكوميديا السوداء. فهو يمتلك، كما يصفه أصدقاؤه، “عيناً أخرى” غير عادية، ترى الأشياء من زوايا مختلفة، وتمنح أكثر الوقائع قسوة لمسة من الفكاهة الذكية. لذلك تبدو أعماله وكأنها محاولة دائمة لتسليط ضوء الفرح على القلوب، دون أن تغفل كشف التناقضات الاجتماعية والإنسانية العميقة.
شخصية علي الداه المتمردة انعكست بوضوح على إنتاجه الإبداعي. فالمتمرد، كما يقول المقربون منه، لا يمكن إلا أن يلد أثراً متمرداً. غير أن تمرده لا يتجلى في الصدام المباشر مع القواعد السائدة، بل في إعادة صياغتها من داخل النص. فهو يكتب وفق منطق خاص يجعل الإبداع هو الذي يملي القاعدة، وليس العكس. لذلك لا يتسرع في الكتابة، ويؤمن بضرورة التمحيص والغربلة قبل إخراج النص إلى الجمهور.
وتحضر في مساره علاقة إنسانية وإبداعية استثنائية جمعته بصديق الطفولة الفنان المسرحي الروداني محمد حمزة. فقد عاش الاثنان في حي واحد، وتقاسما شغف القراءة في مرحلة المراهقة، متنقلين بين عوالم مصطفى لطفي المنفلوطي وأدباء آخرين. ثم اكتشفا معاً موهبة إضحاك الناس، فراحا يسجلان مشاهد صوتية بوسائل بسيطة ويعرضانها على أبناء الحي، مستلهمين الثقافات الفرعية والحياة اليومية للناس. كانت تلك التجارب الأولى بمثابة مختبر مبكر لصناعة الحس الكوميدي الذي سيطبع لاحقاً جزءاً كبيراً من أعمال علي الداه.
وعلى الرغم من أن الثنائي الإبداعي بين علي الداه ومحمد حمزة انتهى مع مرور الزمن، فإن أثر تلك المرحلة ظل حاضراً في مسار كل منهما. فقد واصل علي الداه تطوير مشروعه الفني القائم على استكشاف الهامش وتحويله إلى مركز للسرد والحكاية.
في أعماله الروائية، وخاصة في روايتي “طابا أنوار” و”طابا جون”، يبرز هذا الانشغال بشكل واضح. فالهامش ليس مجرد فضاء جغرافي، بل رؤية للعالم وموقف من الوجود. شخصياته تنتمي غالباً إلى المناطق المنسية من المجتمع، لكنها تمتلك عمقاً إنسانياً يجعلها أكثر قدرة على التعبير عن الأسئلة الكبرى للحياة. وهو حين يبني هذه الشخصيات لا يعتمد على الخيال المجرد، بل على المعايشة اليومية ومجالسة الناس والاستماع إلى حكاياتهم.
ويكشف علي الداه عن ميل واضح نحو البعد النفسي للشخصيات أكثر من اهتمامه بمظاهرها الخارجية. ففي نظره، يكمن جوهر الإنسان في عالمه الداخلي، حيث تتشكل الرغبات والهواجس والصراعات التي تحرك السلوك الإنساني. لذلك تبدو شخصياته وكأنها مرايا تعكس تحولات المجتمع المغربي من الداخل.
ورغم حضوره اللافت في مجال السيناريو التلفزيوني، لا يخفي علي الداه عشقه للمسرح. فهو يعتبر أن المسرح هو المدرسة التي منحته القوة والعمق الفني، بينما يمثل التلفزيون مجالاً مهنياً يتيح له الاستمرار في العيش من الكتابة. وبين المسرح والتلفزيون ظل محافظاً على هويته الإبداعية الخاصة، القائمة على المزج بين الدراما والسخرية، وبين الألم والضحك.
في المشهد الثقافي الروداني والمغربي عموماً، لا يُنظر إلى علي الداه فقط باعتباره كاتباً ناجحاً، بل باعتباره مؤسسة فنية قائمة بذاتها، ومدرسة في التواصل والتواضع والوفاء للبيئة التي خرج منها. فهو ابن مكانه بامتياز، يحمل ذاكرة الهامش إلى فضاءات الإبداع، ويمنح الأصوات الصامتة فرصة للظهور والتعبير.
لعل ما يجعل علي الداه قادراً على البقاء في ذاكرة القارئ والمتلقي هو صدقه الفني أولاً، ثم قدرته النادرة على تحويل التجارب الشخصية والوقائع اليومية إلى أسئلة إنسانية كبرى. إنه يكتب كثيراً عن الآخرين، لكنه في العمق يكتب عن الإنسان في هشاشته وقوته، في أحلامه وانكساراته، وفي قدرته الدائمة على صناعة المعنى والأمل رغم كل الصعوبات.
وفي النهاية، يظل علي الداه نموذجاً للمبدع الذي استطاع أن يحول معاناته وتجارب محيطه إلى طاقة خلاقة أثرت المشهد الثقافي الروداني بصفة خاصة والمغربي بصفة عامة.لقد منح للهامش صوتاً، وللشخصيات المنسية حضوراً، وللسخرية بعداً فكرياً وإنسانياً يتجاوز الترفيه إلى التأمل العميق في الحياة. ومن خلال أعماله المتنوعة، رسخ مكانته كأحد أبرز الأصوات الإبداعية التي تؤمن بأن الفن الحقيقي يبدأ من الإنسان ويعود إليه، حاملاً أسئلته وآماله وأحلامه في صياغة فنية صادقة .

