Le212news.ma
.واستهل الأستاذ عز الدين بونيت أشغال الندوة بمداخلة دعا فيها إلى التفكير في مدى صلاحية مصطلح “المسرح الأمازيغي”، معتبراً أن ربط المسرح باللغة وحدها يطرح إشكالات علمية ومنهجية تستوجب النقاش. وأوضح أن الحديث عن المسرح الأمازيغي يوحي أحياناً وكأن الأمر يتعلق بممارسة مسرحية ما تزال في طورها الجنيني، وهو ما لا ينسجم مع حجم التراكم الذي حققته التجارب المسرحية الناطقة بالأمازيغية.
وأكد بونيت أن اللغة تظل مكوناً أساسياً من مكونات العرض المسرحي، لكنها ليست العنصر الوحيد المحدد لقيمته الفنية والثقافية، داعياً إلى توسيع زاوية النظر نحو المسرح المغربي باعتباره نتاجاً لتربة ثقافية متعددة الروافد. كما أشار إلى أن التنوع الثقافي كان يُنظر إليه في فترات سابقة باعتباره مصدر قلق لدى بعض النخب السياسية، قبل أن يتحول إلى عنصر قوة ساهمت قطاعات من بينها السياحة في إبراز أهميته وضرورة تثمينه.

وفي السياق ذاته، تساءل المتدخل عن جدوى تصنيفات من قبيل المسرح الأمازيغي أو الحساني أو الوجدي، معتبراً أن هذه المقاربات تحتاج إلى تحليل أعمق يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الثقافية والجمالية للممارسة المسرحية، لا بعدها اللغوي فقط.
من جانبه، تناول الأستاذ عمر إذثنينر تجربة المسرح الأمازيغي بسوس من خلال محورين أساسيين، أولهما مرتبط بثقافة الفرجة لدى أهل سوس باعتبارها مدخلاً لرد الاعتبار لأشكال التعبير المحلية، وثانيهما يتعلق بالتسمية ذاتها وما تحمله من إحالة إلى ممارسة ثقافية ارتبطت باللغة الأمازيغية.
وأوضح أذثنين أن المجال السوسي عرف منذ القدم فضاءات فرجوية متنوعة، من أبرزها “أسايس” الذي يمثل امتداداً للحلقة الشعبية خارج ضوابطها التقليدية، إلى جانب أشكال أخرى مثل “الروايس” و”بلماون” و”لمسيح”، وهي كلها تعبيرات تؤكد رسوخ ثقافة الفرجة داخل المجتمع السوسي.

وأضاف أن المسرح الأمازيغي في بداياته كان مسرحاً تلقائياً ينشغل بقضايا الحياة اليومية للساكنة، قبل أن يعرف تطوراً ملحوظاً مع ظهور الفرق المسرحية خلال ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بأكادير وإنزكان، حيث ساهمت فرق مثل “تيفاوين” و”المنال” وغيرها في إدخال المسرح الناطق بالأمازيغية إلى الإذاعة الجهوية بأكادير وتوسيع دائرة انتشاره.
كما توقف عند الدور الذي لعبه المهرجان الوطني للمسرح الأمازيغي بأكادير من خلال تنظيم المسابقات والورشات التكوينية، فضلاً عن مساهمة مهرجان مسرح الطفل الأمازيغي في دعم هذا المسار. وأشار أيضاً إلى تجارب محلية بمدينة تارودانت من بينها فرقة “عجيب وغريب”، مؤكداً أن التجربة المسرحية الأمازيغية راكمت منجزاً فنياً وثقافياً له خصوصياته المميزة داخل المشهد المسرحي المغربي.
أما الأستاذ محمد بالقايد فقد قدم قراءة نقدية بعنوان “من فرجة إمعشار إلى العرض المسرحي في ممارسته المعاصرة”، انطلق فيها من التأكيد على أن ما يُسمى بالمسرح الأمازيغي ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيراً عن خصوصية ثقافية أكثر من كونه تصنيفاً لغوياً.

وركزت مداخلته على كيفية استثمار الموروث الفرجوي المحلي في تطوير الممارسة المسرحية المعاصرة، من خلال الاشتغال على المفردات الحركية واستعمال الإكسسوارات وتطوير آليات الإعداد الجمالي للعرض المسرحي. كما أبرز أهمية الجسد باعتباره عنصراً مركزياً في العملية المسرحية، إلى جانب مختلف الأدوات التعبيرية المرتبطة به.
وتطرق بالقايد كذلك إلى بعض التجارب الجديدة في الكتابة المسرحية، ومنها ما سماه بالكتابة الشذرية، باعتبارها إحدى الصيغ الفنية التي تتيح تجديد أشكال التعبير فوق الخشبة. وخلص إلى أن الرهان اليوم يتمثل في الانتقال بالفرجات الشعبية من فضاء الموروث الثقافي إلى أفق ثقافة مسرحية عصرية قادرة على استثمار التراث وتطويره في الآن نفسه.

وشكلت هذه الندوة الفكرية، التي احتضنتها الكلية متعددة التخصصات بتارودانت على هامش الدورة الرابعة لمهرجان “ربيع المسرح بتارودانت”، مناسبة لإعادة طرح أسئلة الهوية والتسمية والمرجعيات الثقافية للمسرح بالمغرب، كما فتحت نقاشاً أكاديمياً حول موقع التجربة السوسية داخل مسار تطور المسرح المغربي وتفاعلها مع التحولات الجمالية والفكرية التي يشهدها أبو الفنون

