كتب/ عبد الكريم مومن
مغرب ما بعد 2026 هو مغرب القطع مع كل الممارسات ومرحلة اللاعودة، كن أو لا تكون.
لايمكن لأي نموذج تنموي أن ينجح دون إرادة سياسية وحتى الإرادة السياسية وحدها لاتكفي بل الربط بالنتائج يقتضي وضع آليات تسيير فعالة تحول دون وقوع الأخطاء المتعمدة والمقصودة وبالتالي السقوط في فخ المحاسبة وإهدار الوقت والسمعة والطاقة، فكثرة المتابعات تعطي للمستثمر فكرة سلبية وترفع درجة الخوف.
التحول الجذري في النموذج التنموي يتطلب منظومة وقائية محكمة، حيث لا يكفي الاكتشاف بعد وقوع الخطأ (المراقبة)، بل يجب بناء آليات لـتجنب وقوع الانزلاقات والحماية من المخاطر الهيكلية قبل أن تتفاقم.
تعتمد هذه الآليات الوقائية على الرقمنة، الحكامة التنبؤية، والشفافية المسبقة:
1- آليات الحكامة التنبؤية والشفافية المسبقة
الحل هنا هو استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتوفير رؤية مسبقة لأداء المشاريع والسياسات.
أ- منصات الرقمنة الشفافة للمشاريع
يجب إنشاء منصة وطنية موحدة وشفافة للرصد اللحظي Real-Time Monitoring لكافة المشاريع التنموية والصفقات العمومية.
الوظيفة الوقائية: لا تراقب هذه المنصة الإنفاق فحسب، بل تراقب مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) للمشروع (مثل: مدى الالتزام بالجدول الزمني، نسبة توظيف اليد العاملة المحلية، مدى مطابقة المواد المستعملة للمواصفات).
التنبيه المبكر Early Warning: يجب أن تكون المنصة مبرمجة لإطلاق تنبيهات حمراء تلقائية بمجرد تجاوز هامش الخطأ المسموح به (مثال: إذا تجاوز التأخير 10% من المدة المحددة، أو إذا كان سعر الشراء يرتفع بأكثر من 15% عن متوسط السوق). هذا يتيح التدخل لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.
ب- سجل وطني موحد للمستفيدين من الدعم والامتيازات لمقاومة الريع والاحتكار، يجب خلق سجل رقمي موحد ومفتوح للعموم يضم جميع المستفيدين من:
الحوافز الضريبية والمالية: الإفصاح عن أسماء الشركات التي استفادت من الإعفاءات أو الدعم، وحجم الدعم، والالتزامات الاقتصادية المقابلة (عدد الوظائف، حجم الاستثمار)، هناك شركات تحصل على الأراضي والدعم والرخص ثم تبيع المشروع جاهزا كشركة للغير وتحقق مكاسب وهذا قمة الإستهتار وفساد، هنا على المؤسسة المانحة أن تتدخل وتصادر كافة الأرباح المتحصل عليها قبل تشغيل المشروع خلال المدة المتفق عليها.
الرخص والامتيازات (الريع= باك صاحبي): يجب إتاحة قائمة الرخص والامتيازات الممنوحة (خاصة في القطاعات الحيوية) وتحديد المدة الزمنية المتبقية للرخصة، مما يمنع تجديدها أو تمديدها تلقائيا ويجهز السوق للمنافسة، ويمكن إقتراح فترة إنتقالية يحتفظ فيها الحاصل على الريع بنصف الريع ويسحب منه النصف لمدة محددة بعدها ينطلق للمنافسة الكاملة.
الوظيفة الوقائية: هذا السجل يمارس الرقابة الاجتماعية المسبقة، فبمجرد الإفصاح عن المستفيد والالتزامات، يصبح الرأي العام شريكا في المراقبة، مما يردع الانزلاقات الأخلاقية والمالية ويخلق ضغطا للامتثال.
2- آليات تجفيف منابع الريع والاحتكار (الوقاية القانونية)
تركز هذه الآليات على إزالة الفرص المسببة للانزلاق.
أ- الفصل الإجرائي بين القرار الإداري والمالي
الوقاية من الفساد: يجب الفصل التام بين الجهة الإدارية التي تصدر الموافقة/الترخيص والجهة التي تصرف الدعم/المال. هذا يمنع تمرير مشاريع غير مؤهلة أو مبالغ فيها ماليا.
تبسيط الإجراءات بالقوة: كما ذكرنا سابقا، يجب أن يكون الهدف من الرقمنة هو إلغاء التفاعل البشري المباشر Zero Contact في المساطر الإدارية الحساسة، حيث أن غياب الاحتكاك هو أفضل وقاية من الفساد.
ب- الحكامة التنافسية الملزمة
وضع معايير شفافة للمنافسة: يجب أن تكون كل عملية منح للدعم أو التسهيلات مشروطة مسبقا بأثر تنموي واضح وقابل للقياس (مثل: نسبة الصنع في المغرب في المواد الأولية، أو الالتزام بنقل التكنولوجيا).
تفعيل شرط التراجع Clawback
يجب إدراج بنود قانونية في عقود الاستثمار تسمح للحكومة بالتراجع عن الدعم المالي أو استرداده في حال عدم الوفاء بالالتزامات التنموية التي أعلنها المستثمر (وظائف، استثمار، وما شابهه). وجود هذا الشرط القانوني يردع المستثمرين غير الجادين أو الذين يسعون للريع فقط.
3- آليات الوقاية في التكوين وتوجيه الشباب
للتفاذي من انزلاق الشباب نحو البطالة أو الاقتصاد الهش.
أ- مرصد التكوين والتشغيل (الوقاية من بطالة الكفاءات)
الوظيفة الوقائية: إنشاء مرصد وطني يجمع البيانات حول المهارات المطلوبة فعلياً في سوق الشغل خلال السنوات الخمس المقبلة، ويقارنها بـمخرجات مؤسسات التكوين والجامعات.
التوجيه المسبق: استخدام بيانات المرصد لـتوجيه الطلبة والشباب مسبقا نحو التخصصات التي تشهد نقصا (مثل: التخصصات في الطاقات المتجددة أو رقمنة الأسواق)، وتفادي التخصصات التي تشهد تشبعا، مما يقلل من ظاهرة بطالة الكفاءات ويضمن توافق الموارد البشرية مع الرؤية التنموية.
ب- تأهيل وسطاء الأسهم والاستثمار (الوقاية من الاحتيال المالي)
لتفادي انزلاق الشباب نحو الاستثمارات الوهمية أو الخسارة، يجب أن يكون التوجيه نحو سوق الأسهم مصحوبا بالتالي:
الترخيص المسبق للمكونين: إلزام الجهات التي تقدم دورات تكوينية للشباب حول الاستثمار في الأسهم بالحصول على ترخيص مسبق، ومراقبة جودة المحتوى التكويني لضمان المعرفة السليمة وإدراك المخاطر.
إن هذه الآليات، المبنية على الشفافية التكنولوجية والالتزام القانوني الصارم، تعمل كحائط صد وقائي، يسمح بتصحيح المسار قبل أن تتحول الانزلاقات إلى كوارث هيكلية.
أخطر مراحل الإنسانية، كانت فترة العبودية التي أسسها الأسياد ضمن إستراتيجية محكمة جدا.
أحد أهم هاته الإستراتيجيات كان: جعل تعليم العبيد جريمة معاقب عليها بقسوة تصل للموت.
السبب: كلما ظل الإنسان جاهلا تنقص أو تنعدم عنده الثقة بالنفس، وبالتالي لايتصور نفسه ندا للسيد، فيظل يتلقى الأوامر دون نقاش أو تردد فما بالك بالرفض… لكن المصيبة أنه مع منع العبودية إنتقلت فكرة التعليم بالمقاس أو الإنتقائي لجيل الأسياد العصري، فكلما جعلت التعليم ضعيفا وألا ضعفت الثقة بالنفس وبالتالي تؤسس لمجتمع طبقي، الأرقى هو المسيطر والمنفذ والمشرع والقاضي، وهم الطبقة الأقل، في مقابل طبقة تقبل بما يعطى لها وتقنع بما حدد لها من نصيب.. لكن المعادلة بدأت تتغير (مثلنا حدث لمجتمع العبيد السابق الذي تعلم سرا ووصل للحرية) مع وصول الإنترنيت وتعميم التعليم الراق.
إذن هناك سلسلة للنجاح يا إما تكون متكاملة أو ناقصة ( عن طريق التحكم )
الجهل والأمية: تؤدي إلى انعدام المعرفة، مما يفضي إلى انعدام الثقة بالنفس. ينتج عن ذلك الانقياد وقبول السيطرة، ويترسخ الاعتماد على الاستهلاك وعدم الإنتاج.
التعليم الناقص (بالمقاس): يؤدي إلى المعرفة السطحية والوظيفية، وينتج عنها ثقة محدودة بالذات. هذا يدفع إلى الطاعة وقبول النصيب المحدد، ويقتصر على الإنتاج الروتيني وقلة الإبداع.
التعليم الراقي (العميق): يؤدي إلى المعرفة العميقة والتفكير النقدي، مما يسهم في بناء الثقة والاعتزاز بالذات. هذا يفتح الباب أمام الإبداع والإنتاج المتميز، وفي النهاية يؤدي إلى تحقيق الحرية والعدالة الاقتصادية.
هنا تخاطر النخبة إذا تحكمت في السلسلة وإستمرارها بالسيطرة بشكل غير عادل لصالحها وبقائها يبقى مرتبطا بمدى قدرتها على مواجهة المقاومة.
من هنا عندما تريد تصنيف المجتمع وطرح الأسئلة لماذا نتعثر ولا ننتج ولا نتقدم، عليك أولا أن تعرف عدد القاطنين برقعة الوطن وتصنفهم لتجيب على الأسئلة أعلاه.
وكذلك تعرف حواجز التقدم داخل المجتمع

