بقلم: سعيد ودغيري حسني
حلت ذكرى وفاة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه في العاشر من رمضان، تلك الذكرى التي تلونت بدموع الفقد وتجلّت في أرواح الأوفياء الذين لم ينسوا أبدا قائدهم العظيم، الذي قادهم في معركة الشرف والكرامة ذكرى لا تقتصر على يوم معين بل هي رحلة تمتد في الذاكرة حينما يضيء القمر ويغمر السماء شعاعا من الحنين والمجد فتظل ذكرى محمد الخامس حية في قلوب المغاربة.
كان الملك محمد الخامس رمزا للعزة والصمود ،وحلمًا تحقق على أرض الواقع بعد سنوات من النضال والتضحيات الجسام جعلًا من المغرب أرضًا حرة ،ومن شعبه أمةً لا تُقهر كانت خطاه في صميم التاريخ المغربي إذ حرص على أن تكون كل خطوة تخطوها المملكة ثابتة نحو الاستقلال وكل قرار يحمل في طياته الأمل لشعبه. لم يكن محمد الخامس مجرد ملك بل كان قائدًا فذًا جسّد حلم الأمة في النهوض والانبعاث.
عندما نذكر محمد الخامس نذكر النضال في أبهى صوره وحينما نتحدث عن معركة التحرير لا يمكن إلا أن تلتصق صورته في الذهن حيث كان البطل الذي لم يستسلم للظلم ،ولم يساوم على العزة لكن مع كل ذلك كانت تلك الصور الشاعرة التي اختزنها الشعب المغربي لا تُختصر في الألقاب أو الأوسمة لقد كان في القلوب والأذهان كأن روحه كانت تسكن في كل مكان.
ومن كثر ما كانت قلوب المغاربة تهفو إليه وتعشق حضوره كانوا يرونه في السماء مع كل ليلة جديدة وعندما يملأ القمر السماء بنوره، كان الشعب يتجه بعيونه إلى تلك الكرة الفضية في السماء يرفعون أصابعهم ويشيرون لبعضهم ويقولون “بن يوسف فالقمر” وكأنهم يقصدون بذلك أن الملك محمد الخامس كان جزءًا من السماء وأنه مع كل ليلة يطل عليهم من جديد كما لو كان نجما في السماء لا يغيب.
كيف لا يحبونه وهم شهدوا تضحياته الكبرى؟! كيف لا يعشقونه وهم رأوا في صورته القوة والعزيمة؟! في عيونهم كان محمد الخامس أكثر من ملك كان الأب الحاني الذي يستحق أن يرفع في السماوات وأن ينعم ببريق القمر.
لقد عاش المغاربة في تلك الحقبة التبجيلية ،حيث كانت الأماني لا تُحدّ والرؤى لا تُوقف وحتى في المنفى حيث أُجبر الملك على الرحيل عن وطنه لم تتوقف مشاعر الإخلاص في قلوب شعبه كانت العيون تدمع لحظه والقلوب تتألم بفراقه لكنهم كانوا يعلمون أن الجهاد لم ينتهِ بعد كان الملك محمد الخامس يتنقل بين جدران المنفى جسدًا لكنه ظل في العقول والأرواح راسخًا.
إن محبة المغاربة للملك محمد الخامس كانت لا محدودة فقد عبّروا عن ذلك بحب عميق لم يكن فقط بحدود الكلام بل تجاوزه إلى مشاعر لا تُعد ولا تُحصى، فكانوا يذكرونه في كل وقت وحين ،وكانت أصواتهم تتردد في كل زاوية وشارع وكأنهم أرادوا أن يبقى حاضرًا معهم أينما كانوا.
كانت الساحات العامة المساجد البيوت والشوارع كلها مكانًا للشعب المغربي ليذكر فيه اسم ملكه الراحل وعندما كانوا ينظرون إلى السماء كانت القلوب تتحدث مع النجوم وتتخيل أن القمر هو عينه ضوءه ووجهه الذي لا يغيب.
وفي هذه الذكرى لا بد أن نتوقف ونقول ماذا كان الملك محمد الخامس؟ وكيف لا يكون رمزًا خالداً في قلوبنا؟ كان الأب الذي قام ببناء حلم الاستقلال وكان البطل الذي حمل صوته إلى العالم من أجل الحرية لكنه كان أيضًا أكثر من ذلك. كان صورة للأمل في كل زمان وكان القمر الذي لا يزول حتى في أوقات الحروب والمحن.
زبدة القول :أن ذكرى محمد الخامس ستظل حية في قلوب المغاربة جيلا بعد جيل ،تظل منارة تهديهم في كل خطوة على درب العزة والكرامة لن تموت أبدًا طالما بقيت الأجيال تحفظ تلك التضحيات التي قدمها هذا الملك العظيم، وها نحن اليوم نترحم على روحه الطاهرة ونعبر عن تقديرنا العميق لما قدمه هذا الرجل من أجل وطنه وأبناءه الذين واصلوا مسيرته بما يحفظ إرثه العظيم.
نسأل الله أن يرحم الملك محمد الخامس، وأن يسكنه فسيح جناته وأن يغفر له ولابنه الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وأن يمد في عمر جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه بالصحة والعافية وأن يوفق ولي عهده الأمير مولاي الحسن وأخيه الأمير مولاي رشيد وأن يبارك في الأسرة الملكية

