في استوديوهات عين الشق… البشير الفاسي وصناعة الهيبة الهادئة للصورة التلفزيونية
كتب / أحمد أكلكيم
في استوديوهات عين الشق بالدار البيضاء، حيث كانت الكاميرات ثقيلة، والأضواء حارّة، كان هناك رجل يتحرك بهدوء بين الخشب والضوء، بين الفكرة والتنفيذ، دون أن يرفع صوته أو يطلب اسمه على الشاشة اسمه: البشير الفاسي.
هذا ليس مجرد بورتريه مهني ،بل قراءة سوسيو-إعلامية في مسار رجل اختار أن يبني الصورة بدل أن يسكنها، وأن يجمع حوله الفرقاء المهنيين كما تُجمع عناصر الديكور في مشهد متوازن. حصل ، المرحوم البشير الفاسي ،على الشهادة الثانوية من مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، قبل أن ينتقل إلى إسبانيا لمتابعة دراسته في نفس التخصص، حيث نال دبلوم مهندس ديكور. تكوين أكاديمي صقل حسّه الجمالي،
لكنه في عين الشق سيتعلم ما هو أعمق: كيف تتحول الجمالية إلى خطاب مؤسساتي. التحق بالمؤسسة في بداية الستينات، في زمن كانت فيه تُعرف باسم Radiodiffusion Télévision Marocaine، حين كانت الصورة تُبنى يدوياً، قطعةً قطعة، قبل زمن البرمجيات والمحاكاة. كانت السبعينات مرحلة تثبيت خطاب الدولة عبر الصورة.في هذا السياق، لم يكن الديكور خلفية محايدة؛ بل إطاراً للسلطة الرمزية.
اشتغل البشير الفاسي على هندسة مستقيمة ومنضبطة حيث الألوان داكنة مائلة إلى البني والرماد وحضور قوي للخشب الطبيعي مع خلفيات ثابتة تعزز الاستقرار البصري في برامج مثل Télé club وخميس الحظ، و غيرها ،كأن الفضاء يقول للمشاهد: أنت داخل مؤسسة، أمام خطاب منظم، وسلطة تُخاطبك من موقع الثبات.
من منظور سوسيو-إعلامي، كان الاستوديو انعكاساً لمركزية الدولة، وكان البشير الفاسي أحد مهندسي هذا الانعكاس البصري. لم يكن يصمم جداراً، بل يبني تمثّلاً للهيبة. في الثمانينات ، من القرن الماضي ،ومع اتساع دائرة البرامج الحوارية ،الفنية والثقافية ،والسهرات الاحتفالية، تغيّرت فلسفة الديكور فبدأ التلفزيون يبتسم و ” يتحرك “…(مرحلة باكار) هنا، ظهر وجه فني آخر للبشير الفاسي حيث تميزت ديكورات المرحلة بأقواس مستوحاة من العمارة المغربية تزينها ألوان أكثر دفئ و تعدد في مستويات داخل الاستوديو إلى جانب خلفيات تتفاعل مع حركة الكاميرا حيث لم يعد الديكور جداراً صامتاً، بل صار فضاءً يتنفس… سهرات الأقاليم ، أغاني المناسبات الوطنية ، و بذلك يكون قد انتقل من منطق الوقار الجامد إلى منطق الاحتفال المنظم. واللافت أن الرجل لم يُعلن عن هذا التحول نظرياً، لكنه قرأ التحول الاجتماعي intuitivement.
كان يدرك أن المجتمع يتغير، وأن الصورة مطالبة بأن تعكس هذا التغير دون أن تفقد وقارها. مع بداية التسعينات، ارتفع سقف التوقعات.تغيّر الذوق العام، وبدأت المنافسة تفرض إيقاعاً جديداً على الصورة. لكن رغم محدودية الوسائل التقنية مقارنة باليوم، اشتغل البشير الفاسي على تعميق البعد الثالث داخل الديكور في محاولة لتقليص الانعكاسات الضوئية مع تطور الكاميرات ، و ذلك في إطار تنسيق أدق مع مدير التصوير ومهندس الإضاءة هنا تحوّل من “منفذ ديكور” إلى سينوغراف تلفزيوني بالمعنى الكامل للكلمة ، فأصبح شريكاً في بناء الصورة، لا مجرد مزوّد خلفية.
لكن ما يميز البشير الفاسي، في ذاكرة من اشتغلوا معه، ليس فقط حسه الجمالي، بل شخصيته. كان هادئا،طيبا، قليل الكلام، واسع الإصغاء. يعرف كيف يتحدث إلى المخرج، ويشرح فكرته لمدير التصوير، ويُقنع مهندس الإضاءة، ويستمع لملاحظات التقنيين دون حساسية مهنية. في ورشة الخشب، كان يرسم المخطط يدويا، يشرح زاوية القطع للنجار، يختبر اللون تحت إضاءة الاستوديو، ويعيد التعديل مرات قبل الرضا النهائي. لم يكن هناك برنامج ثلاثي الأبعاد، لكن كان الخيال يحل محله ،
بهذا المعنى، كان ، البشير الفاسي ،حلقة وصل بين الفكرة والتنفيذ، بين الرؤية الفنية والعمل اليدوي، بين السلطة الرمزية والتقني البسيط الذي يمسك بالمطرقة ، الآخر الذي يشتغل على طلاء الخشب. كان يجمع حوله الفريق لأن سلوكه يبعث على الطمأنينة، كما كان حضوره يخفف الضغط، ويعيد التوازن. المرحوم البشير الفاسي ، ينتمي إلى جيل لا يبحث عن الظهور ولا يوقع اسمه على الشاشة، جيل يعتبر أن الصورة أمانة، وأن خطأ بسيطا في انعكاس الضوء قد يُربك مجهود فريق كامل.
كان يتعامل مع كل برنامج كما لو أنه حدث وطني، لا يفرّق بين نشرة أخبار، أو مسرحية تلفزية، أو سهرة رمضانية ، معيار الواحد: الجودة والالتزام. فاستوديوهات عين الشق ، التي اختصت مبدعا من هذه الدرجة ،لم تكن مجرد بناية؛ كانت مدرسة وجامعة،منها خرجت أجيال من المخرجين والتقنيين الذين عاصروا البشير الفاسي واشتغلوا إلى جانبه. وفي عمق هذه الذاكرة المهنية، يبقى اسمه مرتبطاً بمرحلة التأسيس البصري للتلفزيون المغربي. ديكوراته ليست مجرد هياكل خشبية؛ إنها جزء من ذاكرة نشرات الأخبار، والمسرحيات التلفزية، والسهرات و الأعمال الدرامية التي جمعت العائلات حول الشاشة.
قد لا يتذكر جمهور الأمس اسم البشير الفاسي، لكنهم يتذكرون الفضاءات التي شاهدوا فيها برامجهم المفضلة. في زمن السرعة الرقمية، تبدو تجربته استعادة لقيمة الحِرفة،ولجيل كان يبني الصورة بالخشب،ويصقلها بالضوء،ويمنحها معنى قبل أن يمنحها شكلاً.
إن هذا البورتريه ليس فقط تكريماً لرجل هادئ وطيب استطاع أن يجمع المهنيين حوله،بل هو محاولة لقراءة تاريخ التلفزيون المغربي من زاوية صُنّاعه الصامتين… أولئك الذين صنعوا المشهد، ثم انسحبوا منه في هدوء، تاركين أثرهم في ذاكرة الصورة.
وفي ختام هذا البورتريه، ونحن في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا يسعنا إلا أن نرفع أكفّ الدعاء للرجل الذي بنى الصورة في صمت، وأخلص للمهنة كما يُخلص الحرفي لصلاته. اللهم اغفر لعبدك البشير الفاسي، وارحمه رحمة واسعة، واجزه عن كل صورة صادقة ساهم في بنائها، وعن كل جهد خفي بذله خدمةً للإعلام العمومي، خير الجزاء. اللهم نوّر قبره كما نوّر هو فضاءات الاستوديو بالضوء المتقن، واجعل عمله في ميزان حسناته، وتقبّله في عبادك الصالحين.
رحم الله البشير الفاسي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه طيبة في قلوب زملائه وكل من تعلّم من هدوئه ونُبل حرفته. أحمد أكلكيم دار بوعزة في : ليلة النصف من رمضان 1474 ، الموافق 4 مارس 2026
ملاحظة/ من اليسار المسرحي الكبير المرحوم عبد القادر البدوي / المرحوم ادريس لفطايلي ، تقني بالمحطة ، و بجانبه المرحوم البشير الفاسي و هو يتابع من الريجي اخر اللمساء لديكور عمل درامي .

