بقلم: سعيد ودغيري حسني
دخلت محرابه ذات ضوء
منذ سنين طويلة
كأنني لا أزور مرسماً
بل أدخل إلى زاوية يتعبد فيها اللون
كان وحده هناك
بصمت الحكماء
وخشوع العارفين
وحين جلسنا
لم يتكلم كثيراً
لكن اللوحات كانت تتكلم نيابة عنه
وتروي ما لا ترويه كتب الفن ولا كراسات التعليم
تابعت مسيرته كما يتابع العاشق نبض الحبيبة
كنت أول من آمن بهذا الضوء
أول من رأى في أنامله صلاةً لا تصلاها إلا الأرواح النقية
أنا المغربي في الأصل
والمعلم الذي تعلّم منه
واليوم
بعد سنوات من المراقبة الصامتة
أكتب
أكتب لأثمن مجهودات رجل
لم يصعد المنابر
لكن رفع منسوب الجمال في هذا الوطن
أكتب ليعرف المغاربة
قيمة هذا الفنان
وقيمة الدين الذي يسكن روحه
دين الذوق
دين الحرف
دين الوفاء للموروث
فمن لا يعرف الشياضمي
لا يعرف روح الزخرفة المغربية حين تبوح
ولا يدرك أن الخشب يمكن أن يتلو تراتيل الصمت
إذا مرّت عليه يد تعرف ما تفعل
في فاس انسكب الضوء على جدران الذاكرة
وفي الأزقة التي تعودت صمت الزوايا
ولد الفنان الذي لا ينام إلا والحلم في يده
من رݣراݣة جاءت روح اللون وتغريد الزخارف
من الأرض التي تعرف سرّ الطين ووشوشات الألوان
حمل الشياضمي مشعل الفن كما يحمل الوليّ مسبحته
يمشي على أطراف الحنين
يستنطق الخشب
ينفخ في الزليج أنفاساً جديدة
ويعيد للألوان لغتها الأصلية قبل أن تتكسر في زحمة الحداثة
سيدي محمد لا يرسم لوحات
بل يبعث أرواحاً
يركز على التفاصيل التي لا يراها الناس
يهتم بالظل كما يهتم بالنور
يرى في القوس معنى
وفي النقطة بداية حكاية
تذوب في يديه الفواصل بين المدرسة والزهد
فهو تلميذ الذاكرة
وناسك اللون
وحارس من لا صوت لهم من الحرفيين المنسيين
منذ 1997 وهو ينقّب في الذاكرة المغربية كما ينقب العاشق عن أول نظرة
لا يرسم ليقول إنه فنان
بل يرسم ليصمت التاريخ قليلاً
ويصغي
يشتغل على فن التزويق المغربي كأنه طبيب يعالج لوحة مريضة
يرمم لا ليُزين بل ليُنقذ
يرسم الأبواب المغربية القديمة
ويوثق للأقواس والقباب والنوافذ التي ماتت ببطء في مدننا
يعيدها للحياة
يحفظها كما تحفظ الأم حكايات جدتها

الشياضمي لا يعمل في عزلة رغم وحدته
هو في قلب فاس
في نبض أسواقها القديمة
وفي تراتيل الحرفيين
يتعاون مع النجّارين
ويجمع الخشب بعيون العارفين
يبحث عن التقاطع بين الحرفة والتشكيل
يبني فناً لا يعيش في المتاحف فقط
بل يعيش في بيوت الناس
في ذاكرتهم
في مشاعرهم حين تمر أمام لوحته في لحظة صدق
شارك في معارض كثيرة داخل المغرب وخارجه
نعم
لكن الأهم أنه شارك في معركة أعمق
معركة الحفاظ على روح الفن المغربي
ذلك الفن الذي يُهدد كل يوم بالإندثار
بسبب الإهمال
وبسبب العجلة
وبسبب صمت المؤسسات
فرنسا كرمته
وهذا جميل
لكن الأكثر جمالاً أن البسطاء يعرفونه
أن عجوزاً أمازيغية رأت لوحته
فبكت
وقالت هذا بيت جدتي
هذا جدارنا الذي سقط
هذا الزليج الذي داسه الغبار
وهذه النافذة التي كانت تطل على شجرة التين
لوحة أعادت لها ما لم تعطه الدولة
وما نسيه الزمن
في كل عمل له
يوجد شيء من الحكمة
وشيء من الحنين
وشيء من الصمت الجميل
لا يصيح فنه ولا يتباهى
بل يمشي بخطى ثابتة
كأنه يعرف أن الجمال لا يموت
وأن الفن الحقيقي لا يصدأ
هو رجل يكتب بالألوان
ويحكي بالصمت
ويبني من الذكرى جدراناً لا تنهار
زبدة القول
سيدي محمد الشياضمي ليس فناناً عادياً
هو ذاكرة
هو حارس
هو ناسك في محراب الزخرفة المغربية
رجل بألف ذاكرة
وفن لا يشيخ
وخطى تمشي على جدار الوقت
كي لا يسقط ما تبقى من الجمال المغربي

