بقلم: سعيد ودغيري حسني
لم يكن عبد الرحمان الخياط اسما عابرا في تاريخ السمعي البصري المغربي
بل كان حضورا هادئا عميقا
يشتغل في الظل
ويترك الأثر واضحا في الذاكرة
أكتب عنه اليوم لا من موقع الرثاء البعيد
بل من موقع الشهادة
لأنني اشتغلت كاتبا في برنامج ألف لام
وعرفت الرجل عن قرب
في العمل
وفي الصمت
وفي تلك الصرامة الهادئة التي لا تحتاج إلى رفع الصوت
في استوديوهات عين الشق
كان عبد الرحمان الخياط
معلما قبل أن يكون مخرجا
كان يؤمن أن الصورة مسؤولية
وأن الإخراج أخلاق
وأن العمل الفني لا يكتمل إلا باحترام الإنسان
نصا وممثلا وتقنيا
جاء عبد الرحمان الخياط من المسرح
ومن الخشبة تشكلت رؤيته الأولى
واشتهر بإخراجه لمسرحية الخادمات
العمل الذي كشف مبكرا عن مخرج
يفهم الفضاء
ويضبط الإيقاع
ويشتغل على التوتر الداخلي للشخصيات
دون استعراض
ولا تزويق
في المسرح نسج علاقات فكرية ومهنية
مع كتاب آمنوا مثله بأن الكلمة موقف
من بينهم المرحومان
إدريس التادلي
وعبد السلام الشرايبي
كانت العلاقة معهم علاقة شراكة فكر
وحوار رؤى
لا تنفيذ أو مجاملة
ولا يمكن الحديث عن عبد الرحمان الخياط
دون التوقف عند الفنانة الكبيرة الراحلة نعيمة لمشرقي
زوجته ورفيقة دربه
وأحد أعمدة المسرح والدراما المغربية
لم تكن مجرد ممثلة في أعماله
بل كانت مشروعا فنيا آمن به
وساهم في صقله
وفتح له أفق الأدوار المركبة
ذات العمق الإنساني والتربوي
وتبقى تجربة ألف لام
واحدة من أهم محطات مساره
سلسلة تلفزيونية رائدة
عُرضت ما بين سنتي ألفين وألفين وأربعة
وجمعت بين المسرح والتلفزيون
وبين الحكاية الشعبية
وتعليم اللغة العربية للكبار
ومحو الأمية
في هذا العمل
قدمت نعيمة لمشرقي شخصية لالة فقيهتي
الراوية الحكيمة
صوت الذاكرة الشعبية
وحاملة القيم
وشارك في تشخيص السلسلة
عبد الإله عاجل
صلاح الدين بنموسى
عبد القادر مطاع
سعاد صابر
نجوم الزهرة
نعيمة الياس
أما الطاقم التقني
فكان عنوانا للدقة والانضباط
عبد الحق ودن مديرا للتصوير
عمر بالقائد في الإنارة
محمد ضريف ضابطا للصوت
وكان ألف لام ثمرة تعاون ثقافي واع
بين الأستاذ والباحث حسن الصميلي إنتاجا وإعدادا
والكاتب المسرحي محمد قاوتي
وسعيد ودغيري حسني
وفي قلب هذا المشروع
كان عبد الرحمان الخياط
يسهر على التفاصيل الصغيرة
لأنه كان يعرف
أن التربية لا تقبل الاستسهال
ومن المحطات الدالة على مكانته المهنية
إشرافه على مونتاج فيلم
أفغانستان لماذا
وهو اختيار لم يكن اعتباطيا
بل اعترافا بخبرته
وبقدرته على التعامل مع الصورة الثقيلة
إنسانيا وفكريا
فالمونتاج عنده لم يكن تقنية
بل كتابة أخيرة
وموقفا أخلاقيا
برحيل عبد الرحمان الخياط
تفقد عين الشق أحد رجالاتها
ويفقد المشهد السمعي البصري المغربي
مخرجا من جيل البناء
جيل آمن بأن الفن رسالة
لا منتجا عابرا
روداني الأصل
بيضاوي النشأة
مغربي الروح
سيظل اسمه محفورا
في ذاكرة الصورة
وفي وجدان من اشتغلوا معه
وتعلموا أن الصمت
قد يكون أبلغ من كل ضجيج
رحم الله المخرج الكبير عبد الرحمان الخياط
وجعل ما قدمه شاهدا له لا عليه
وخالص التعازي
لأبنائه
الدكتور هشام الخياط
وابنتيه
ياسمين
وبسمة
كما نتقدم بالعزاء
إلى أخيه المخرج مصطفى الخياط
وإلى الأسرة الفنية المغربية
التي ودّعت واحدا من رجالها
الذين اشتغلوا بصمت
وتركوا الأثر

