شهدت مدينة الصويرة مؤخرًا فعاليات الدورة الأخيرة من مهرجان كناوة وموسيقى العالم لسنة 2025، الحدث الفني الذي تحول إلى نقطة تلاقي كبرى لرواد هذا الفن من مختلف أنحاء المغرب والعالم. ويشكل هذا الموعد الثقافي مناسبة لاستحضار الامتدادات العميقة لهذا الموروث الإفريقي، ليس فقط في حواضر كبرى كالصويرة، بل أيضًا في مدن عريقة مثل تارودانت، التي تشاركها نفس الروح الكناوية والذاكرة الجماعية المتجذرة في التاريخ والثقافة الإفريقية.
و رغم تباعد المسافة الجغرافية بين تارودانت، الواقعة في الجنوب الشرقي للمملكة، والصويرة، المتموقعة على الساحل الأطلسي، إلا أن فن كناوة يجمع بينهما في وشائج قوية من الذاكرة والهوية. فكلا المدينتين كانتا، عبر القرون، ملتقى للقوافل القادمة من جنوب الصحراء، ومركزين لتلاقح الثقافات، حيث استقرت جماعات إفريقية، حملت معها طقوسها وموسيقاها وتقاليدها، ليتحول ذلك مع مرور الوقت إلى تراث مغربي أصيل.
في تارودانت، المدينة التي تحتفظ بطابعها التاريخي والروحي، نجد أن كناوة ارتبطت بطقوس الزوايا والاحتفالات الشعبية، وظلت تمارس في الفضاءات التقليدية، بأسلوب يوحي بخصوصية “سوسية” لهذا الفن. أما في الصويرة، المدينة التي احتضنت أولى نسخ المهرجان، فقد تطور الفن ليأخذ بعدًا عالميًا، منفتحًا على تجارب موسيقية من مختلف الثقافات، دون أن يفقد جذوره الإفريقية.
أما بخصوص القاسم المشترك بين المدينتين يتمثل أولًا في حضور “المعلم” الكناوي كمحور أساسي في الممارسة الفنية، حيث يحتل مكانة روحية واجتماعية متميزة، ليس فقط كموسيقي بل كحامل للمعرفة والذاكرة. كذلك، فإن الطقوس الكناوية في كل من تارودانت والصويرة تنبع من نفس المرجعية الرمزية: استحضار الأرواح، وتكريم الأجداد، والتعبير عن الارتباط الروحي بالهوية الإفريقية.
إضافة إلى ذلك،نجد تتشابها في الآلات المستعملة مثل القراقب والكمبري، والملابس والرموز المستعملة في “الليلة” أو “السبوعة”، مما يؤكد أن كناوة، رغم تنوع تعبيراتها، تظل موحدة في جوهرها العميق بين المدينتين.
على العموم يبقى فن كناوة، سواء في تارودانت أو الصويرة، تعبيرًا عن هوية مغربية متعددة الأبعاد، تتنفس من روح إفريقيا، وتتموقع داخل التعدد الثقافي المغربي. والمهرجانات، كما الشهادات الحية للمعلمين والممارسين، تساهم في نقل هذا التراث للأجيال القادمة، ليبقى حيًّا نابضًا، كما كان دائمًا، موسيقى للروح وذاكرة للشعوب.
–الصورة من صفحة الاستاذ محمد المختار غليب

