Le212news.ma
لم يعد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في المغرب مجرد طقس فولكلوري أو مناسبة رمزية عابرة، بل أضحى تعبيرًا عميقًا عن وعي جماعي جديد بتدبير التنوع الثقافي واللغوي، ونموذجًا هادئًا ومتدرجًا لإدماج الذاكرة الأمازيغية في الفضاء العمومي، ضمن رؤية وطنية جامعة لا تقصي ولا تُقصي أحدًا.
فمنذ إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها، انتقل “إيض يناير” أو “ناير “من الهامش إلى المركز، ومن الاحتفال الأسري المحدود إلى موعد وطني تشارك فيه المؤسسات الرسمية، والجماعات الترابية، والمدارس، ووسائل الإعلام، في مشهد يعكس نضج التجربة المغربية في التعاطي مع التعدد الهوياتي.
الخصوصية المغربية في تدبير هذا الحدث لا تنفصل عن المسار الذي انطلق مع دسترة الأمازيغية كلغة رسمية، وتُوّج بإجراءات عملية جعلت من الثقافة الأمازيغية رافدًا أصيلًا من روافد الهوية الوطنية. فالاحتفاء برأس السنة الأمازيغية لم يُقدَّم باعتباره “ثقافة بديلة”، بل كجزء لا يتجزأ من الذاكرة المشتركة للمغاربة، عربًا وأمازيغ، حضرًا وبوادي، شمالًا وجنوبًا.
هذا التحول منح الاحتفال بعدًا اندماجيًا، حيث بات مناسبة لتعزيز قيم العيش المشترك، وتثمين التنوع باعتباره مصدر غنى لا عامل انقسام، في سياق إقليمي لا تزال فيه بعض الدول تعاني من توظيف الاختلاف الثقافي في الصراع والهويات المغلقة.
وإن كان المغرب قد نجح في تحويل الاحتفال إلى موعد وطني جامع، فإن رأس السنة الأمازيغية يظل طقسًا حضاريًا عابرًا للحدود، يشمل مجمل دول المغرب الكبير، من الجزائر وتونس وليبيا إلى موريتانيا، وصولًا إلى مصر، حيث استقر الأمازيغ، خاصة في واحة سيوة، واحتفظوا بعاداتهم وطقوسهم المرتبطة بالتقويم الفلاحي.
هذا الامتداد الجغرافي يعكس وحدة الأصل الثقافي والرمزي، ويُبرز القواسم المشتركة بين شعوب المنطقة، رغم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية. فـ”يناير” ليس مجرد تاريخ، بل ذاكرة جماعية مرتبطة بالأرض، والزراعة، ودورة المواسم، وهو ما يفسر حضوره القوي في المجتمعات القروية عبر شمال إفريقيا.
من أبرز عناصر التقاطع بين مختلف مناطق الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، حضور الأكل التقليدي كعنصر مركزي في الطقس الاحتفالي. ففي المغرب، تتصدر أطباق مثل الكسكس بسبع خضر، أو “تاكلا” (العصيدة)، و”أوركيمن” موائد يناير، وهي أطباق نجد لها نظائر في الجزائر وتونس وليبيا، بنفس الرمزية المرتبطة بالخصب، والوفرة، والتفاؤل بسنة فلاحية جيدة.
كما يشكل الملبس التقليدي عنصرًا موحدًا في هذا الاحتفال، حيث تُستحضر الأزياء الأمازيغية بألوانها الزاهية، وحليها الفضية، ونقوشها الرمزية، سواء في الأطلس، أو القبائل، أو الطوارق، أو سيوة المصرية، في تعبير بصري عن وحدة الثقافة وتنوع تعبيراتها المحلية.
أما الطقوس الرمزية، كإعداد أول وجبة جماعية في السنة، أو توزيع المكسرات والحبوب على الأطفال، أو إطلاق الأهازيج والدعاء بالخير، فهي ممارسات تكاد تكون مشتركة بين مختلف مناطق شمال إفريقيا، بما يؤكد أن “يناير” هو احتفال بالإنسان والأرض قبل أن يكون مناسبة تاريخية.
نجح المغرب في تقديم نموذج هادئ ومتوازن لتدبير الذاكرة الثقافية، حيث لم يتحول الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى أداة للمزايدة أو الاصطفاف الهوياتي، بل إلى لحظة للاعتراف، والمصالحة مع الذات الجماعية، وتثمين روافد الهوية المتعددة.
وفي زمن تتصاعد فيه النزعات الإقصائية، يبعث هذا النموذج برسالة قوية مفادها أن الاعتراف بالتنوع لا يُضعف الدولة، بل يعزز تماسكها، وأن الاحتفال بالاختلاف هو في جوهره احتفال بالمشترك الإنساني.
رأس السنة الأمازيغية، كما يعيشها المغرب اليوم، لم تعد فقط ذكرى تعود كل يناير، بل صارت عنوانًا لرؤية ثقافية وسياسية ترى في التعدد ثروة، وفي الذاكرة المشتركة جسرًا نحو المستقبل.

