كتب / أحمد أكلكيم
منذ انطلاق كأس أمم إفريقيا بالمغرب، برز خطاب عدائي غير مسبوق موجَّه ليس فقط إلى المنتخب الوطني المغربي، بل إلى المغرب كبلد منظم، وكأن النجاح الذي تحقق تحوّل في نظر البعض من مناسبة رياضية جامعة إلى مصدر ضيق وانزعاج. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا هذا العداء ضد المغرب والمغاربة والفريق الوطني المغربي فقط خلال كأس إفريقيا المنظمة في المغرب؟
السؤال يزداد وجاهة حين نستحضر محطات رياضية قريبة لم تُسجَّل خلالها أي مظاهر للحقد أو التشكيك. الكل يتذكر أن اسود الأطلس حققوا اكبر انجاز عربي أفريقي بتأهلهم لنصف نهائي المونديال بدولة قطر ، كما توج المنتخب الوطني المغربي بطلا لكأس العرب لكرة القدم 2025 بقطر ، وكانت الجزائر من بين المنتخبات المشاركة التي أُقصيت،وتُوِّج منتخب الشبان بكأس العالم، و لم تُرفَع رايات التشكيك ولا نُسجت سرديات المؤامرة و لم نلمس مثل هذا السيل من العداء ،فما الذي تغيّر اليوم ؟.
الجواب، في تقدير كثير من المتابعين، لا يكمن في كرة القدم ذاتها، بل في الصدمة. صدمة أن يتحول بلد إفريقي وعربي إلى نموذج تنظيمي يتجاوز التوقعات، ويكسر الصور النمطية التي ظلت عالقة في الأذهان. صدمة الملاعب العالمية التي شُيِّدت وفق أحدث المعايير، والتي ذهب بعضهم إلى مقارنتها , بغير قليل من الحرج , بملاعب دول راكمت خبرة تنظيمية لسنوات طويلة، بل وحتى بملاعب قطر التي احتضنت مونديالاً عالمياً. صدمة البنيات التحتية التي لم تكن مجرد واجهة رياضية، بل منظومة متكاملة،طرق سيارة حديثة، شبكات نقل فعالة، محطات قطارات عصرية وفنادق بمستويات راقية،
و لعل ما ضاعف من هذه الصدمة ، ان المغرب لم يقدم “استثناءً مؤقتاً” مرتبطاً بالتظاهرة، بل كشف عن مسار تنموي متدرج وهادئ أثمر في اللحظة المناسبة. في هذا السياق، يمكن قراءة العداء الإعلامي المتصاعد باعتباره آلية دفاع نفسي جماعي لدى بعض الفاعلين ،حين تعجز المنافسة الرياضية عن إنتاج التفوق، وحين يفشل الرهان على التعثر التنظيمي، يتم اللجوء إلى التشكيك، والتقليل، وبث خطاب الكراهية.
إنها لحظة انكشاف فجوة، لا بين المنتخبات فقط، بل بين نماذج التدبير والرؤية الاستراتيجية. المفارقة أن المغرب، وهو ينظم كأس أمم إفريقيا، لم يقدّم نفسه في موقع المتعالي أو المستفز، بل في موقع البلد الإفريقي الذي يفتح أبوابه للقارة، ويضع خبرته رهن إشارة الجميع ،كما أكد ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس في برقية تهنئة إلى أعضاء المنتخب الوطني لكرة القدم بمناسبة بلوغهم المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا حيث قال جلالته ” وإننا بقدر ما نعتبر استضافة بلدنا لهذه البطولة المتميزة، بما يليق بها من جودة التنظيم وحفاوة الاستقبال النابعة من شيم أمتنا المغربية وقيمها العريقة، إنجازا رياضيا كبيرا، بقدر ما نعده رسالة أمل وثقة من المغرب إلى قارته، تؤكد أن النبوغ الإفريقي قادر على التميز والإبداع في كل المجالات “.
إن ما عشناه خلال خلال هذه الدورة ليس مجرد تنافس كروي، بل اختبار للوعي الجمعي لدى اولائك الذين لم يدخروا جهدا في التشويش على النجاح ،فبذل ان نحتفي بنجاح أحدنا باعتباره نجاحاً مشتركاً، هناك من يسعى إلى تحويله إلى مادة للحقد والتجريح؟
المغرب، في نهاية المطاف، لم ينتصر على أحد حين نظم كأساً بمقاييس عالمية، بل انتصر لفكرة أن إفريقيا قادرة على التنظيم، وأن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية ليس ترفاً، بل شرطاً للسيادة والاحترام. ومن هنا، يبدو أن العداء ليس موجهاً ضد المنتخب الوطني المغربي بقدر ما هو موجَّه ضد صورة جديدة للمغرب ،صورة بلد ينجح بهدوء… ويصدم دون أن يرفع صوته.

