كتب / أحمد أكلكيم
بينما كان المغرب يشارك في أشغال الدورة السادسة عشرة للمعرض الدولي للفنون التقليدية والمنتدى الدولي الرابع عشر لحماية التراث الثقافي اللامادي بمدينة شنغهاي الصينية يومي 11 و 12 يونيو 2026، إلى جانب أكثر من سبعين بلدا من مختلف أنحاء العالم، كان سؤال التراث اللامادي المغربي يفرض نفسه بقوة: أي موقع تحتله اليوم التعبيرات الثقافية المحلية التي لا تزال تعيش في الهوامش رغم ما تختزنه من قيمة تاريخية ورمزية؟
لقد اختار منظمو التظاهرة الدولية شعار “التراث الإقليمي والتجدد العالمي”، وهو شعار يبدو أقرب ما يكون إلى واقع العديد من الفنون الشعبية المغربية التي تحتاج إلى الانتقال من المجال المحلي الضيق إلى فضاء الاعتراف الوطني والدولي. ومن بين هذه الكنوز الثقافية يبرز فن “لوناسة” اليحياوية، باعتباره أحد أهم أشكال التعبير الجماعي التي تشكلت عبر قرون على ضفتي وادي سوس، داخل المجال القبلي لأولاد يحيى وهوارة ومنابهة بإقليم تارودانت.
في قلب الجنوب المغربي، حيث تمتد القرى والدواوير على ضفتي النهر، ما تزال إيقاعات “لوناسة” ترتفع في الأعراس والمواسم واللقاءات العائلية الكبرى، حاملة معها ذاكرة جماعية كاملة. فالأمر لا يتعلق بمجرد غناء أو رقص شعبي، بل بمنظومة ثقافية متكاملة تجمع بين الكلمة والإيقاع والفرجة والتواصل الاجتماعي.
وتتميز “لوناسة” بطابعها الجماعي الفريد؛ إذ تتناغم أصوات الرجال مع إيقاعات البندير و”أكوال” والناقوس، لتتشكل فرجة شعبية تتجاوز الترفيه إلى أداء وظائف اجتماعية وثقافية عميقة. فمن خلالها تتجدد روابط الانتماء، وتنتقل القيم بين الأجيال، كما تُستعاد حكايات المكان والناس والذاكرة المحلية.
وفي المنظور السوسيو-ثقافي، تمثل “لوناسة” ما يسميه الباحثون بـ”الذاكرة الحية” للمجتمع. فهي ليست مجرد تراث محفوظ في الوثائق أو المتاحف، وإنما ممارسة اجتماعية مستمرة تعكس رؤية الجماعة لنفسها ولعالمها. وتحمل كلماتها وأهازيجها مضامين متعددة تتراوح بين الفخر بالانتماء والاحتفاء بالحب والجمال واستحضار الأمجاد المحلية، وصولا إلى النقد الاجتماعي والتعبير عن التحولات التي يعرفها المجتمع.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الرصيد الثقافي الغني لا يحظى بالاهتمام الذي تستحقه قيمته الرمزية. ففي الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم إلى جرد وتوثيق وتسجيل عناصر تراثها اللامادي وتقديمها في المحافل الدولية، ما تزال “لوناسة” اليحياوية تعتمد أساسا على جهود الممارسين والمهتمين وبعض الباحثين المحليين للحفاظ على استمراريتها.
إن مشاركة المغرب في منتدى شنغهاي لحماية التراث اللامادي ينبغي أن تتحول إلى فرصة لإعادة طرح ملف الفنون الشعبية المحلية التي لم تنل بعد نصيبها من التثمين المؤسسي. فـ”لوناسة” ليست ملكا لقبيلة أو منطقة فقط، بل جزء من التنوع الثقافي المغربي الذي يشكل أحد أهم عناصر القوة الناعمة للمملكة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق برنامج متكامل للعناية بهذا الفن، يشمل التوثيق العلمي للأهازيج والإيقاعات، وتشجيع البحث الأكاديمي حوله، وإدماجه ضمن المهرجانات الثقافية الكبرى، وإحداث فضاءات للتكوين ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، فضلا عن التفكير في إدراجه ضمن قوائم التراث الثقافي اللامادي على المستويين الوطني والدولي.
فحين تحتفي مدن العالم بتراثها المحلي وتقدمه باعتباره موردا للتنمية الثقافية والسياحية، يصبح من المشروع التساؤل: لماذا لا تتحول “لوناسة” اليحياوية إلى علامة ثقافية مميزة لإقليم تارودانت ولقبائل سوس، وإلى جسر يربط الماضي بالحاضر ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف جزء أصيل من ذاكرتها الجماعية؟
من شنغهاي، حيث يناقش العالم سبل حماية التراث اللامادي، يصل صدى سؤال بسيط إلى ضفاف سوس: متى تنتقل “لوناسة” اليحياوية من دائرة الذاكرة الشفوية المهددة بالنسيان إلى فضاء الاعتراف والتثمين الذي يليق بها كأحد أجمل التعبيرات الثقافية المغربية؟

