Le212news.ma
قراءة في الاحتجاجات ورسائل الجزائر ومستقبل التوازنات في المغرب العربي
ليست تونس اليوم أمام موجة احتجاجات عابرة، ولا أمام خلاف سياسي تقليدي بين سلطة ومعارضة، بل تبدو وكأنها تعيش لحظة مفصلية جديدة قد تحدد شكل الجمهورية لسنوات قادمة. فبعد مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد، والتي أنهت عملياً تجربة التوافق السياسي التي أعقبت ثورة 2011، عاد الشارع التونسي ليطرح السؤال نفسه بصيغة أكثر حدة: إلى أين تمضي البلاد؟
لقد استند مشروع الرئيس قيس سعيّد منذ بدايته إلى وعد بإعادة بناء الدولة، ومحاربة الفساد، وإنهاء حالة الشلل التي عاشتها مؤسسات الحكم خلال العقد الأول بعد الثورة. وقد وجد هذا المشروع في بدايته دعماً شعبياً واسعاً، بعدما فقدت قطاعات كبيرة من التونسيين الثقة في الأحزاب السياسية التي تناوبت على السلطة دون أن تحقق التنمية المنشودة.
لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا، وإنما بحصيلة الإنجاز. واليوم، تجد تونس نفسها أمام اقتصاد يعاني من ضغوط متزايدة، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وتراجع في الاستثمار، وتوتر اجتماعي لا يمكن تجاهله. وفي الوقت نفسه، تتحدث المعارضة ومنظمات حقوقية عن تضييق على الحريات واعتقالات ذات طابع سياسي، بينما تؤكد السلطة أنها تطبق القانون وتحارب الفساد والتآمر على الدولة.
وسط هذه الصورة المعقدة، خرجت احتجاجات رفعت شعارات تطالب برحيل الرئيس، وهو تطور يعكس أن جزءاً من الشارع التونسي لم يعد يكتفي بالمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، بل أصبح يطالب أيضاً بإعادة فتح النقاش حول طبيعة النظام السياسي نفسه.
غير أن الحدث الذي منح الأزمة بعداً إقليمياً تمثل في الموقف الجزائري. فقد جاءت تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، التي شدد فيها على أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لزعزعة استقرار تونس، لتؤكد أن ما يجري داخل هذا البلد لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً تونسياً صرفاً، بل قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة المغاربية.
فالجزائر تدرك أن حدودها الشرقية الممتدة مع تونس تجعل أي اضطراب سياسي أو أمني هناك ذا تأثير مباشر على أمنها القومي، خاصة في ظل استمرار هشاشة الوضع الليبي، وتصاعد التهديدات في منطقة الساحل، وتزايد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في شمال أفريقيا.
غير أن هذه التصريحات فتحت أيضاً باباً واسعاً للنقاش داخل تونس. فهناك من اعتبرها موقفاً طبيعياً من دولة شقيقة تربطها بتونس علاقات استراتيجية عميقة، بينما رأى آخرون أن أي حديث عن حماية الاستقرار يجب ألا يُفهم على أنه اصطفاف مع طرف سياسي ضد آخر، لأن مستقبل تونس ينبغي أن يحدده التونسيون وحدهم عبر مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الشعبية.
ومن هنا تبرز معادلة دقيقة: فالجزائر معنية بلا شك باستقرار تونس، لكن الحرص على الاستقرار ينبغي أن يظل منسجماً مع مبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم إعطاء الانطباع بأن مستقبل السلطة في تونس تحدده مواقف خارجية.
أما على المستوى الدولي، فإن القوى الغربية تتابع التطورات بحذر شديد. فهي تدرك أن أي اهتزاز في تونس قد ينعكس على ملفات الهجرة غير النظامية، والأمن في البحر الأبيض المتوسط، والتوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا. ولذلك تبدو معظم العواصم الغربية حريصة على الدعوة إلى التهدئة والحوار، مع تجنب الانخراط المباشر في الصراع الداخلي.
لكن السؤال الأكبر يبقى مطروحاً: هل تستطيع تونس إنتاج مخرج سياسي توافقي يجنبها مزيداً من الاستقطاب؟
لقد أثبت التاريخ السياسي التونسي أن هذا البلد يمتلك تقاليد راسخة في الحوار والوساطة والتوافق، كما حدث خلال الأزمة السياسية سنة 2013 عندما جنّب الحوار الوطني البلاد الانزلاق نحو المجهول. غير أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً، بفعل تراجع الثقة بين مختلف الفاعلين، واستمرار الأزمة الاقتصادية، وتزايد الانقسام داخل المجتمع.
إن مستقبل تونس لن تحدده فقط المظاهرات أو المواقف الرسمية، بل ستحدده أيضاً قدرة النخب السياسية على تقديم مشروع وطني جامع، يعيد للمواطن ثقته في الدولة ومؤسساتها، ويوازن بين مقتضيات الاستقرار وضمان الحريات، وبين هيبة الدولة ومتطلبات المشاركة السياسية.
ويبقى المؤكد أن استقرار تونس ليس شأناً تونسياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار المغرب العربي بأسره. فكل اهتزاز في هذا البلد ينعكس على محيطه، وكل نجاح في بناء توافق وطني سيكون مكسباً للمنطقة كلها.
واليوم، تقف تونس أمام مفترق طرق جديد: إما أن يتحول الاحتقان السياسي إلى فرصة لإطلاق حوار وطني يعيد بناء الثقة ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً، وإما أن يستمر منطق الاستقطاب، بما يحمله من مخاطر على الدولة والمجتمع والإقليم. والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى فرص للإصلاح.

