بقلم الكاتب المسرحي والسيناريست: سعيد ودغيري حسني
حين يكون المسرح أكثر من عرض
وحين تصير الجامعة أكثر من علم
وحين يصير الشاب أكثر من شهادة
تولد الدهشة في مدينةٍ اسمها الدار البيضاء
من حيٍّ بسيط اسمه بنمسيك
تخرج الفكرة من بين أكوام الطباشير
وتنمو مثل قوس قزح في عز الشتاء
لا شيء كان يعدنا بهذا المجد
سوى قلوب عشقت الركح
وأيادٍ حفرت في التراب كلمة “مسرح”
لتجعل منها منارةً للجامعات
ومحجًّا للمبدعين
ومرسىً لأحلام طلابٍ لا يجيدون الكلام
إلا وهم يلبسون الأقنعة
ويُشعلون الضوء ليحاوروا العالم
هكذا وُلد المسرح الجامعي الدولي للدار البيضاء
لم يكن احتفالاً عابراً
بل هو نَفَسُ مدينة
وصوتُ كليةٍ حلمت أن تعانق المسرح
كما يعانق الجسدُ الروح
من المجد البكر… إلى رصانة المؤسسة
إن أردنا أن نخط التاريخ كما يليق به
وجب أن نقف أولاً بإجلال أمام
العميد المؤسس، الأستاذ حسن الصميلي
الذي رأى في الركح
امتداداً لروح الجامعة
وفي الطالب
فناناً قادراً على تغيير مجرى الثقافة
فتح القاعات، واستدعى الحلم
وحوّل جدران الكلية إلى ستائر خشبة
وممراتها إلى كواليس
لتكون البداية ذات وقع خالد
ثم جاء من بعده الوريث الحالم
الأستاذ عبد القادر كنكاي
الذي لم يُطفئ الشعلة
بل صقلها
زَرع في التربة شجرة التلاقح الثقافي
ورفع المهرجان من محلي إلى دولي
وجعل من قاعة العروض “عبد الكريم برشيد”
أيقونةً تتكلم لغات العالم
وأرضاً تصافحت فوقها
شبيبة من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا
وفي قلبها المغرب
بشموخه ومسرحه وتاريخه
وها هي الدورة 37… تفتح لنا باب السؤال
ما علاقة المسرح بالدبلوماسية؟
أليس كلاهما يُقنع ويحاور ويؤثر؟
أليس الممثل سفيراً، والنص رسالةً؟
في زمن يُكتم فيه صوت الإنسان
يصبح المسرح سفارةً للحقيقة
والدبلوماسيةُ ركحاً للأمل
من هنا، ومن هذا التماس
وُلِدَ شعار الدورة:
“المسرح والدبلوماسية الفنية والثقافية”
وقفة اعتراف ووفاء
لكل من مرّوا من هنا
لكل من آمن أن المسرح
ليس تجريباً في الفراغ
بل تجريبٌ في الإنسان
لكل الأساتذة الذين حملوا الديكور فوق أكتافهم
ولكل الطلاب الذين ناموا على النصوص
وقاموا على نبض الجمهور
لكل امرأةٍ ورجلٍ
دفعوا بالحبّ هذا المهرجان إلى الأمام
حتى صار محطة عالمية
وسجلًا من ذهب في دفتر الثقافة الجامعية المغربية
ومع العهد الجديد… نؤمل كثيراً
نؤمل خيراً في العميدة الجديدة
الدكتورة ليلى مزيان
امرأة من زمنٍ يعرف أن المسرح
لم يعد ترفاً فكرياً
بل ضرورة وجودية
نعوّل على رؤيتها الذكية
وحسّها التربوي والإنساني
أن تقود المهرجان في دوراته القادمة
نحو فضاءات أوسع
وأن تجعل من الجامعة
مختبراً دائمًا للفنّ لا مجرد ممرّ عابر
فالمغرب اليوم
يتنفس شبابًا
وهذا الشباب يثوق إلى الخشبة
يبحث عن نصٍّ يُشبهه
عن صرخةٍ تُعبّر عنه
عن وطنٍ على هيئة ستارة تُفتح
وعينين تتابعان العرض حتى سقوط الستار
زبدة المسرح
المسرح ليس زينة جامعية
ولا احتفالاً سنوياً
المسرح هو اعترافٌ بالآخر
هو ممارسةُ مواطنة
وإعادةُ تشكيل العالم…
من فوق الخشبة

