بقلم: سعيد ودغيري حسني
تارودانت يا سرّاً من أسرار الأطلس ويا قصيدة من طين وعطر تمشي على جدران الزمن بخطى الحكماء
ليست كباقي المدن بل قلب نابض في جسد التاريخ وذاكرة تتوضأ كل فجر بالحكمة والمعرفة
منذ أن تنفست الأرض أول الأسماء وهي تكتب اسمها بحبر النور على صفحات الحواضر
ليست مجرد أسوار تعانق الشمس ولا فقط دروباً من صمت الحجارة بل مدرسة كونية
علّمت الحرف كيف يتأنى والفكر كيف يثمر والروح كيف تصعد في مدارج السكون
هنا حيث العالم لا يباهي بعلمه بل يسكنه كتواضع النهر
هنا حيث المرأة تنسج الحياة بخيوط الحكمة والرجل يرتل المروءة كأنها صلاة سرية
في تارودانت كل نخلة كتاب وكل زقاق درس وكل قبة فيض من يقين
هنا الحرف لا يُكتب صدفة بل يولد من رحم الفكرة ويُرضع من ثدي التجربة
في كل بيت ظلُّ فقيه وفي كل نافذة دعاء يعلو وفي كل ركن سرّ لا يُقال إلا لمن فهم الصمت

تارودانت ليست مدينة بل مَجازٌ عن المغرب العميق
هي ضوء العقل في زمن الظلام وسكينة الحكمة وسط صخب المدن
إذا مشت فيك الريح فهي تحمل معها أصوات الأندلس وإذا نادتك الأبواب فهي تقرأ عليك سلام الزمن البعيد
ترابها مخطوطة والمنزل فيها كتاب والليل فيها سِفر من فصول الصفاء
فيها تهمس الأشجار بلغات لا تُدرّس وفيها يمرّ الوقت ببطء ليحفظ ما لا يُكتب
كل جدار فيها له ذاكرة وكل حجر له نسب وكل نخلة تحفظ الأسماء كما تحفظ الأمهات أبناءهنّ
في تارودانت لا يُقاس العمر بالسنوات بل بما حُفظ من الآيات وما نُسج من المعاني
لا تتزين بالكثرة بل بالجوهر ولا تلهث خلف الحداثة بل تمشي بثبات الحكمة
من مآذنها خرج صوتٌ يعلّم لا يصرخ ويرشد لا يأمر
ومن مدارسها نبتت أجيال من العلماء لم ترفع رايةً إلا المعرفة
هي المدينة التي تُخرس المتباهين وتُسكن المتعالين وتمنح المتواضعين كرامة المعرفة

يا تارودانت يا مدينة تمشي على ريش الحروف وتهمس للعالم أنا المعنى قبل أن تُخلق العبارة
يا مدينة لا تغري بالضجيج بل تسحر بالعمق
فيك تعلمنا أن الجدار ليس عازلاً بل حافظ للسر
وأن الأزقة ليست ضيقة بل ممرات للضوء
وأن الحكمة لا تُشترى بل تُتوارث كالماء والهواء
أنت مدينة الداخل مدينة النواة مدينة الفكرة التي لا تموت
لك من التاريخ صدرك ومن الجغرافيا قامتك ومن المغرب روحك العريقة
وما عرفتُ مدينة يختلط فيها صمت الصالحين بضحكة الأطفال كما فيك
تارودانت التي إذا تحدّثت عن الحرف فكل الحروف تصمت
وإذا سُئلت عن المجد فهي لا تتكلم بل تُشير إلى جُدرها ومدارسها وزواياها
تارودانت التي لا تتزين بالحدث بل تفيض بالمعنى
هي سيدة الحكمة في حضرة الزمان

زبدة القول
تارودانت لا تُرى بالعين بل تُقرأ بالقلب وتُسكن بالعقل ومن لم يشرب من علمها مات عطشان وإن ظنّ نفسه ريّان
أبيات الختام
تارودانت وما أدراك ما المددُ
منها تفيض على الآفاق ما وُجدوا
فيها الوقار وفيها العلم منزلةٌ
وفي سكون رُباها ينبت السندُ
يا من تحب الدُنى شمساً ومعرفةً
فاذهب إليها ففيها يُولد الأبدُ
كم من فقيهٍ بها في الليل متكئٌ
يلقي على النجم آيات بها الخلدُ
هذي المدينة ليست مثل أيّتها
فهي العروس التي بالعلم تتّحدُ
لا الشرق ضاهى رُباها حين تُسأل عن
سرّ الجمال ولا الغربُ إذا اجتهدوا
تارودانت سلاماً ما حيينا لها
أنت المقام وأنت النور والسند

