Le212news.ma
في كل مرة يُعاد فيها فتح ملف “أسلحة الدمار الشامل” في الشرق الأوسط، يعود السؤال نفسه بصيغة أكثر حدة: هل يتعلق الأمر فعلاً بحماية الأمن الدولي، أم بإعادة تشكيل موازين القوى وفق سرديات سياسية تُدار من خارج المنطقة؟ بين تجربة العراق في عهد صدام حسين، والحرب الدائرة حول البرنامج النووي الإيراني، تتقاطع الخيوط وتتشابه المبررات، بينما تختلف النتائج والسياقات.
في سنة 2003، قادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا دوليا لغزو العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة كيماوية تهدد الأمن العالمي. هذه الرواية، التي رُوّج لها بقوة في الإعلام الغربي، استندت إلى تقارير استخباراتية تبين لاحقا أنها تفتقر إلى الأدلة الحاسمة. انتهت الحرب بإسقاط نظام صدام حسين، وإعدامه لاحقا، لكن “الأسلحة الكيماوية” التي كانت عنوان الحرب لم يُعثر عليها.
النتيجة لم تكن فقط تغيير نظام سياسي، بل تفكيك بنية الدولة العراقية، وفتح الباب أمام صراعات طائفية وإثنية لا تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم. العراق، الذي كان يُقدَّم كتهديد، تحول إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، في مشهد يعكس كلفة “الحرب الوقائية” عندما تُبنى على فرضيات غير مؤكدة.
بعد عقدين تقريبا، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة مع إيران، لكن هذه المرة تحت عنوان “البرنامج النووي” و”تخصيب اليورانيوم”. الولايات المتحدة وحلفاؤها، وعلى رأسهم إسرائيل، يطالبون بوقف أو تحييد هذا البرنامج، بدعوى أنه قد يقود إلى إنتاج سلاح نووي. في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها ذو طابع سلمي، موجه لأغراض الطاقة والتنمية.
المثير في هذا السياق هو التشابه في الخطاب: تهديد للأمن العالمي، ضرورة التدخل، وخطاب إعلامي يُعبّئ الرأي العام الدولي. غير أن الاختلاف يكمن في توازنات القوة؛ فإيران ليست العراق، وتمتلك أدوات ردع سياسية وعسكرية، كما أنها جزء من شبكة تحالفات إقليمية تجعل أي مواجهة مفتوحة أكثر تعقيداً.
هنا تبرز إشكالية “ازدواجية المعايير”. فبينما تُفرض قيود صارمة على دول بعينها في ما يتعلق بالتسلح، تظل دول أخرى خارج دائرة المساءلة، رغم امتلاكها لقدرات نووية معروفة. هذا التناقض يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام الدولي، ومن يحدد قواعده، ومن يُستثنى منها.
في العمق، لا يمكن فصل هذه الحروب أو التهديدات عن البعد السوسيو-إعلامي. فالإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في صناعة “الشرعية” للحروب عبر بناء صور ذهنية عن “العدو” و”الخطر الداهم”. في حالة العراق، تم تسويق فكرة “الأسلحة الكيماوية” بشكل مكثف، وفي حالة إيران، يُعاد إنتاج خطاب “الخطر النووي” بأساليب أكثر تطوراً، مستفيداً من البيئة الرقمية وشبكات التواصل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصاً داخل العالم الإسلامي، هو: إلى أي حد تتكرر السيناريوهات نفسها رغم اختلاف السياقات؟ وهل يتعلق الأمر فقط بطبيعة الأنظمة السياسية، أم أيضاً بعوامل الهوية والانتماء، حيث العراق بلد عربي، بينما إيران ذات عمق فارسي؟
هذا التباين يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز التفسير السطحي. فالصراعات في الشرق الأوسط لم تعد تُختزل في ثنائية “عربي/فارسي” أو “سني/شيعي”، بل أصبحت جزءاً من لعبة أمم تُدار وفق مصالح استراتيجية، حيث تُستخدم ملفات مثل “الكيماوي” و”النووي” كأدوات ضغط وإعادة تموقع.
في النهاية، يبقى الدرس الأبرز من تجربة العراق حاضراً في الذاكرة الجماعية: الحروب التي تُبنى على ذرائع غير مثبتة قد تُسقط أنظمة، لكنها تترك شعوباً في حالة فراغ وفوضى. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل يتعلم العالم من أخطائه، أم أن الشرق الأوسط سيبقى مختبراً مفتوحاً لسرديات القوة؟

