نيويورك/ عبد الكريم مومن
في كل مرة تمنى فيها المنتخبات أو الأندية بخيبة أمل، تتكرر المبررات ذاتها: ضعف الميزانية، قلة مراكز التكوين، نقص الاحتكاك، قلة المباريات الودية، ضعف البنية التحتية، أو محدودية الموارد البشرية. ولا أحد ينكر أن هذه العوامل مؤثرة، فكره القدم اليوم صناعة متكاملة تعتمد على التخطيط والاستثمار والعلم أكثر من أي وقت مضى. لكن ما قدمه منتخب الرأس الأخضر أعاد ترتيب الأولويات، وأثبت أن العنصر الأول في صناعة الإنجاز لا يوجد في الميزانيات، بل في داخل الإنسان.
الرأس الأخضر، أو كاب فيردي، دولة أرخبيلية صغيرة تتكون من عشر جزر في قلب المحيط الأطلسي قبالة الساحل الغربي لإفريقيا. لا يتجاوز عدد سكانها 800 ألف نسمة، وتبلغ مساحتها نحو 4 آلاف كيلومتر مربع، ويظل اقتصادها محدودا مقارنة بالقوى الكروية، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على السياحة والخدمات وتحويلات المهاجرين. ورغم ذلك، استطاعت هذه الدولة الصغيرة أن تبني منتخبا ينافس كبار العالم بندية، ويجبرهم على استنفاد كل ما لديهم من إمكانات لتحقيق الفوز.
قد لا تمتلك الرأس الأخضر الدوريات الأغنى، ولا أكبر أكاديميات التكوين، ولا الميزانيات الضخمة، كما أن كثيرا من لاعبيها لا يتقاضون الأجور التي يحصل عليها نجوم المنتخبات الكبرى. ومع ذلك، ظهر منتخبها منضبطا تكتيكيا، شرسا في الالتحامات، واثقا بنفسه، مؤمنا بقدرته على منافسة أي خصم، مهما كان اسمه أو تاريخه.
وهنا تكمن الرسالة الحقيقية. فالرأس الأخضر لم تنف أهمية المال، ولم تقل إن الاستثمار أو التكوين أو البنية التحتية عوامل ثانوية. على العكس، فهذه كلها ضرورية لضمان الاستمرارية والوصول إلى أعلى المستويات. لكنها أثبتت أن هذه العناصر ليست نقطة البداية، بل هي عوامل تضاعف القوة الموجودة أصلا.
السؤال الحقيقي ليس: كم تملك؟ بل: ماذا يوجد بداخلك؟ هل تحب ما تفعل؟ هل تؤمن بهدفك؟ هل تملك الشغف الذي يدفعك إلى العمل والتضحية والتطور كل يوم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الموارد تصبح إضافة هائلة، لأنها لا تخلق البطل، بل تساعده على إخراج أفضل نسخة من نفسه. أما إذا غابت الإرادة، فلن تصنع أكبر الميزانيات سوى فرق باهظة التكلفة، تنهار عند أول اختبار حقيقي.
ولهذا، فإن قصة الرأس الأخضر ليست درسا في كرة القدم فقط، بل في كل مجالات الحياة. فالطالب، ورائد الأعمال، والباحث، والمهندس، والطبيب، والمسؤول، كلهم يبدأون من النقطة نفسها: من الداخل. فإذا وجد الإيمان، والشغف، والانضباط، وحب ما يقوم به الإنسان، جاءت الإمكانات بعد ذلك لتختصر الطريق وتسرع النجاح.
لقد أثبتت الرأس الأخضر أن الفارق بين الأمم لا يقاس دائما بعدد السكان، ولا بحجم الاقتصاد، ولا بمقدار الإنفاق، بل بحجم الإيمان بالفكرة، وبالقدرة على تحويل الحلم إلى واقع. فالإمكانات مهمة، لكنها لا تصنع المعجزات وحدها، وإنما تمنح القوة لمن يملك الإرادة.
إن الموارد لا تصنع الوحش، بل تطلق الوحش الكامن في داخلك. ولذلك فإن البداية الحقيقية لأي نهضة، في الرياضة أو غيرها، لا تكون في الخزائن، بل في العقول والقلوب.
فالعالم لا ينقسم إلى دول كبيرة ودول صغيرة، بل إلى أمم تؤمن بقدراتها، وأخرى تنتظر أن تمنحها الظروف الإذن بالحلم.
هنا تذكر، عندما تكون قويا وتملك كل شيء وتدخل ميدانا وتفشل أمام منافس لديه عشر ما تملك، فذلك لايعني أنك خاسر، وإنما ذلك المنافس آمن بنفسه أولا بينما أنت عولت على مواردك، فلو آمنت أولا بنفسك ثم سخرت إمكانياتك فستكون النتيجة مبهرة

