قراءة سوسيو إعلامية في علاقة الشباب بالانتخاب والخطاب الحزبي والفضاء العمومي.
كتب/ احمد أكلكيم
مقدمة: حين تقترب صناديق الاقتراع ويعود سؤال الشباب
في الوقت الذي يعيش فيه المغرب أجواء الحملة الانتخابية التشريعية، التي بلغت أوجها مع اقتراب موعد توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026 لاختيار ممثليهم في البرلمان، تتجاوز أهمية هذه المحطة حدود التنافس بين الأحزاب والمرشحين، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً: كيف ينظر الشباب المغربي إلى الانتخابات، وإلى المؤسسات المنتخبة، وإلى دوره في صناعة القرار العمومي؟
ففي خضم الخطابات الحزبية الداعية إلى المشاركة وتجديد النخب، تبدو العلاقة بين الشباب والسياسة محكومة بتداخل مجموعة من العوامل، من بينها التحولات القيمية والاجتماعية، وتبدل أنماط التواصل، وتراجع أدوار الوسائط التقليدية في التأطير السياسي، مقابل تنامي تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل المواقف والانطباعات.
ولذلك، فإن الحديث عن الشباب في سياق هذه الاستحقاقات لا ينبغي أن يختزل في كونه دعوة إلى التصويت أو استقطاباً انتخابياً ظرفياً، بل يستدعي قراءة سوسيولوجية في طبيعة العلاقة التي تربط الأجيال الجديدة بالمؤسسات السياسية، وبالأحزاب، وبالخطاب الانتخابي، وبفكرة التمثيلية ذاتها.
فهل يتعلق الأمر بعزوف عن المشاركة، أم بإعادة تعريف لمعناها؟ وهل تنجح الأحزاب في تحويل الشباب من جمهور مستهدف خلال الحملات الانتخابية إلى فاعل حاضر في صناعة القرار؟
أولاً: الشباب المغربي والتحول في معنى المشاركة السياسية
لم تعد المشاركة السياسية، في ظل التحولات الاجتماعية والإعلامية الراهنة، محصورة في الانتماء إلى حزب أو حضور تجمع انتخابي أو الإدلاء بالصوت يوم الاقتراع. فقد أتاح الفضاء الرقمي أشكالاً جديدة للتعبير والنقاش والاحتجاج، وأصبح الشباب يتفاعلون مع القضايا العمومية عبر منصات متعددة، خارج الأطر التنظيمية التقليدية.
ومن منظور سوسيولوجيا التواصل، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الاهتمام بالشأن العام، وإنما قد يعكس انتقالاً من أنماط مشاركة مؤسساتية إلى أنماط أخرى أكثر مرونة، وأحياناً أكثر ارتباطاً بالحدث وبالتفاعل اللحظي.
غير أن هذا الحضور الرقمي لا يمكن اعتباره بديلاً تلقائياً عن المشاركة الانتخابية. فالتفاعل مع منشور سياسي، أو التعبير عن موقف من قضية اجتماعية، لا يساوي بالضرورة قرار التوجه إلى صناديق الاقتراع أو الانخراط في حزب سياسي.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الاهتمام السياسي، والمشاركة الرقمية، والمشاركة الانتخابية، والمشاركة التنظيمية، باعتبارها مستويات مختلفة من العلاقة بين الفرد والمجال العمومي.
وتكمن الإشكالية في أن بعض الخطابات السياسية قد تتعامل مع الشباب باعتبارهم كتلة انتخابية ينبغي استقطابها، بدل النظر إليهم باعتبارهم فاعلين اجتماعيين متنوعين، تختلف انتظاراتهم ومواقفهم بحسب السياق الاقتصادي والتعليمي والمجالي.
ثانياً: من خطاب تجديد النخب إلى اختبار الممارسة الحزبية
تحتل مسألة تجديد النخب موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي المغربي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. وتدعو الأحزاب، بما فيها مكونات الأغلبية الحكومية، إلى توسيع قاعدة المشاركة واستقطاب الكفاءات الشابة والنسائية، في محاولة لتقديم صورة أكثر انفتاحاً على التحولات التي يعرفها المجتمع.
وقد ارتبطت مواقف حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، بالدعوة إلى التعبئة الانتخابية والتواصل مع المواطنين، مع حضور قضايا الشباب ضمن النقاشات المتعلقة بالتشغيل والإدماج الاقتصادي وتجديد النخب.
غير أن القراءة السوسيولوجية لهذه الدعوات تقتضي الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة، من خلال طرح أسئلة تتعلق بموقع الشباب داخل البنيات الحزبية، ومدى مشاركتهم في صياغة البرامج، وفرصهم في الوصول إلى مواقع القرار والترشح للانتخابات.
فالتجديد لا يرتبط فقط بعمر المرشح، وإنما أيضاً بنمط العلاقة التي يقيمها مع المجتمع، وبالقدرة على استيعاب التحولات الثقافية والاجتماعية، وبالاستعداد للاستماع إلى الفئات التي لا تجد دائماً تعبيراً مؤسساتياً عن انتظاراتها.
ومن هنا، فإن حضور الشباب في المؤسسات المنتخبة ينبغي أن يُقرأ ضمن سؤال أوسع حول طبيعة النخب السياسية الجديدة، ومدى قدرتها على تمثيل التعدد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمغرب.
ثالثاً: التحفيز على الترشيح بين الإجراء المؤسساتي والرهان الاجتماعي
تكتسي الإجراءات الرامية إلى تشجيع ترشيح الشباب أهمية خاصة في النقاش المرتبط بالانتخابات التشريعية. فإقرار آليات للدعم العمومي المرتبط بترشيح الشباب، إلى جانب التدابير التي تستهدف تعزيز حضور النساء وفئات أخرى، يعكس توجهاً نحو توسيع فرص الولوج إلى المؤسسات المنتخبة.
لكن السؤال السوسيولوجي لا يتوقف عند وجود هذه الإجراءات، بل يتجه إلى البحث في مدى قدرتها على تجاوز العوائق التي قد تحد من مشاركة الشباب، ومنها محدودية الموارد، وضعف الخبرة التنظيمية، وشروط المنافسة الانتخابية، وطبيعة العلاقات داخل التنظيمات الحزبية.
فالشاب الذي يرغب في الترشح لا يحتاج فقط إلى إطار قانوني أو دعم مالي، بل يحتاج كذلك إلى مسار تأطير وتكوين، وإلى فرصة حقيقية للمساهمة في اتخاذ القرار داخل الحزب، وإلى بيئة سياسية تسمح بتعدد الكفاءات والتجارب.
وتظل فعالية هذه التدابير مرتبطة بمدى تطبيقها، وبالنتائج التي يمكن قياسها من خلال طبيعة الترشيحات، ونسبة المنتخبين الشباب، ومواقعهم داخل المؤسسة التشريعية، وليس فقط من خلال الخطابات التي تسبق يوم الاقتراع.
رابعاً: الإعلام والانتخابات.. من نقل الحملة إلى صناعة المعنى السياسي
لا يمكن تناول علاقة الشباب بالانتخابات دون التوقف عند الدور الذي يؤديه الإعلام في تشكيل التمثلات السياسية وصناعة المعنى الانتخابي.
فالحملة الانتخابية لا تجري فقط في الساحات واللقاءات المباشرة، وإنما تمتد إلى القنوات التلفزيونية والإذاعية، والمواقع الإخبارية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية التي أصبحت فضاءً أساسياً لتداول الأخبار والمواقف.
وفي هذا السياق، يواجه الإعلام تحدياً يتصل بكيفية تقديم الشباب: هل يظهرون باعتبارهم موضوعاً للخطاب الانتخابي، أم باعتبارهم فاعلين لهم مواقف وأسئلة وقدرة على التأثير؟
إن المقاربة الإعلامية التي تختزل الشباب في صور نمطية، مثل العزوف واللامبالاة، قد تحجب تنوع مواقفهم، كما أن التغطية التي تكتفي بعرض الوعود الانتخابية دون مساءلتها أو تحليلها قد تحد من الوظيفة التفسيرية للإعلام.
ومن منظور سوسيولوجيا التلقي، لا يتلقى الجمهور الرسائل الإعلامية بالطريقة نفسها؛ إذ تتدخل التجربة الاجتماعية، والمستوى التعليمي، والانتماء المجالي، والثقة في الوسيلة الإعلامية، في تشكيل فهم المواطن للخطاب السياسي.
ومن ثم، فإن الإعلام الانتخابي لا ينبغي أن يكتفي بتغطية الحملة، بل عليه أن يساهم في توفير شروط النقاش العمومي القائم على المعلومات، والتعددية، والمقارنة بين البرامج، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين لطرح أسئلتهم.
خامساً: التوجيهات الملكية وتجديد النخب.. بين المرجعية والممارسة
يأتي النقاش حول إشراك الشباب في الحياة السياسية ضمن سياق أوسع ارتبط بالتوجيهات الملكية المتعلقة بالتنمية البشرية، وتأهيل الكفاءات، وتجديد النخب، وتعزيز فعالية المؤسسات.
وقد أكدت خطب ملكية متعددة أهمية إيلاء الشباب مكانة أساسية في مسار التنمية والإصلاح، وربط تحمل المسؤولية بمبادئ الكفاءة والنجاعة والمحاسبة.
غير أن تنزيل هذه التوجهات في المجال الانتخابي والمؤسساتي يظل مرتبطاً بأدوار الأحزاب السياسية، وبالآليات التي تعتمدها في اختيار مرشحيها وتأطير مناضليها، وبمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على فتح المجال أمام مشاركة فعلية ومستدامة.
فالتجديد، من منظور سوسيولوجي، لا يعني فقط تغيير الوجوه أو خفض متوسط أعمار المنتخبين، وإنما يستدعي أيضاً مراجعة أنماط العلاقة بين النخب والمجتمع، وتطوير آليات التواصل، وتعزيز الحضور الفعلي للمواطنين في النقاشات التي تهم مستقبلهم.
سادساً: أزمة الثقة وسؤال التمثيلية السياسية
تظل الثقة إحدى القضايا المركزية في فهم العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية. فحين يشعر المواطن بأن الخطاب الانتخابي لا يترجم إلى سياسات ملموسة، أو أن التواصل مع المنتخبين ينحصر في فترة الحملة، فإن ذلك قد يؤثر في تصوره لجدوى المشاركة.
لكن تفسير العلاقة بين الشباب والانتخابات يتطلب الحذر من التعميم، إذ تختلف المواقف بحسب الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية والتجارب الفردية. كما أن انخفاض المشاركة، إن ثبت في فئة معينة، لا يكفي وحده لتحديد أسبابها دون دراسة ميدانية تستند إلى معطيات دقيقة.
وتتصل الثقة كذلك بقدرة المؤسسات على الاستجابة لقضايا ملموسة، مثل التشغيل، وجودة التعليم، والخدمات الصحية، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص. وهي قضايا لا يمكن فصلها عن تصور الشباب للمستقبل وعن تقييمهم لأدوار الفاعلين السياسيين.
من هنا، فإن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد رفع منسوب الخطاب التحفيزي، وإنما تتطلب ممارسات مستمرة، ووضوحاً في الالتزامات، وشفافية في التدبير، وآليات للمساءلة تتيح للمواطن متابعة أداء ممثليه.
سابعاً: الشباب بين المشاركة الانتخابية والمشاركة في صناعة القرار
تطرح الاستحقاقات التشريعية المقبلة سؤالاً يتجاوز نسبة المشاركة في التصويت إلى طبيعة حضور الشباب داخل العملية السياسية برمتها.
فالمشاركة الانتخابية تظل إحدى حلقات الفعل الديمقراطي، بينما يتطلب الحضور السياسي المستدام توفير مسارات تسمح للشباب بالانخراط في العمل الحزبي، والمساهمة في النقاشات العمومية، وتطوير الكفاءات اللازمة لتدبير الشأن العام.
كما أن حضور الشباب في البرلمان لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المنتخبين الذين تقل أعمارهم عن سقف محدد، بل أيضاً بنوعية الأدوار التي يضطلعون بها، ومدى مشاركتهم في النقاش التشريعي، وقدرتهم على نقل انتظارات الفئات التي يمثلونها.
ومن هذا المنظور، تصبح الانتخابات فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الأجيال والمؤسسات، وليس مجرد موعد لتجديد التشكيلة البرلمانية.
خاتمة: أي مستقبل للعلاقة بين الشباب والسياسة؟
تأتي الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 في سياق يضع الشباب في قلب النقاش حول المشاركة السياسية وتجديد النخب والتمثيلية المؤسساتية.
وبينما تتواصل الحملات الانتخابية وتتصاعد دعوات الأحزاب إلى التصويت والانخراط، فإن القراءة السوسيولوجية تقتضي النظر إلى الشباب باعتبارهم فئة اجتماعية متنوعة، تحمل انتظارات متباينة، وتعيش تحولات عميقة في علاقتها بالمؤسسات والوسائط التقليدية والرقمية.
إن التحدي لا يقتصر على إقناع الشباب بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، بل يمتد إلى بناء علاقة سياسية تتسم بالاستمرارية والثقة، وتمنحهم موقعاً فعلياً في صياغة البرامج، والمساهمة في القرار، وممارسة المسؤولية.
وفي هذا الإطار، ستظل قيمة الإجراءات الموجهة إلى الشباب مرتبطة بما ستنتجه من فرص فعلية للمشاركة، وبمدى قدرة الأحزاب والمؤسسات على الانتقال من خطاب الاستقطاب الانتخابي إلى تأطير سياسي مستدام.
فهل ستشكل هذه الاستحقاقات خطوة نحو إعادة تعريف حضور الشباب في الحياة السياسية المغربية، أم ستظل مشاركتهم رهينة بمنطق الحملات الانتخابية الظرفية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتحدد فقط يوم الاقتراع، وإنما من خلال ما ستكشف عنه الممارسة السياسية والمؤسساتية بعده، وما إذا كان الشباب سيجدون في المؤسسات المنتخبة فضاءً حقيقياً للتعبير والمساهمة وصناعة المستقبل.

