بقلم سعيد ودغيري حسني
لم أكن أنوي أن أكتب عن الفقيد محمد الحاميدي، رحمه الله، لأن معرفتي به لم تكن إلا من بعيد؛ معرفة ينسجها السماع الطيب والذكر الحسن بين الناس. غير أن الذي دفعني إلى أن أمسك بالقلم اليوم، بقلب مفعم بالحزن ومبلّل بنفحات الدعاء، هو الصديق العزيز مصطفى الرحالي المقيم بتونس، حين حدثني عنه بصدق المحب، وبحرقة من فقد رجلاً من طينة نادرة، فوجدت نفسي أمام سيرة تستحق أن تُروى، وذكرى ينبغي أن تُكتب.
فليس كل من مرّ في الحياة يُخلِّف وراءه هذا الصدى، ولا كل من عاش بين الناس يترك في قلوبهم هذا الأثر العميق.
لقد كان المرحوم محمد الحاميدي واحداً من أولئك الرجال الذين لا تصنعهم الصدفة، بل تصوغهم القيم، وتربيهم المروءة، وتزكيهم الأيام الصعبة. رجل من أبناء بني مسكين الأصيلين، من عين بلال التابعة لجماعة أولاد فريحة بإقليم سطات، لكنه في الحقيقة كان أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود المكان، لأن القلوب التي عرفته امتدت في ربوع المملكة كلها.
كان الناس يعرفونه بوجهه البشوش، وبكلمته الطيبة التي تسبق خطواته، وبحضوره الذي يطفئ نار الخلاف قبل أن تشتعل.
فكم من بابٍ طرقه محتاج ففتح له قلبه قبل يده، وكم من خصومةٍ أطفأها بكلمة حكيمة، وكم من نفسٍ حزينةٍ أعاد إليها بعض الطمأنينة.
هكذا كان…
رجلاً لا يتكلم كثيراً عن الخير، بل يمشي إليه.
وفي زمنٍ صارت فيه القيم تُذكر أكثر مما تُمارس، كان محمد الحاميدي يمارسها ببساطة الفطرة، وكأنها جزء من نَفَسه اليومي.
الشهامة عنده لم تكن شعاراً، بل كانت موقفاً.
والكرم لم يكن مناسبة، بل كان عادة.
والوقوف مع الناس لم يكن مجاملة، بل كان واجباً.
ومن هنا كان احترام الناس له كبيراً، ومحبتهم له صادقة.
فالرجل الذي يحمل همّ الآخرين في قلبه، لا بد أن يحملوه هم أيضاً في دعائهم حين يرحل.
ولعل أجمل ما في سيرة هذا الرجل أنه لم يكن يسعى إلى الشهرة، لكنها سعت إليه.
فانتشر ذكره بين الناس كما تنتشر رائحة الطيب في الهواء:
لا تُرى… لكنها تُحَسّ.
وكان معروفاً كذلك بغيرته الصادقة على وطنه، وبحبّه العميق للمغرب، وبإيمانه بأن خدمة الناس جزء من خدمة الوطن.
فكان مثال الرجل الذي يشرف أرضه وأهله بسلوكه قبل كلامه.
وحقاً…
حين يرحل أمثال هؤلاء، لا نشعر فقط بفقد شخص، بل بفقد معنى من معاني الرجولة الأصيلة.
فالرجال كثيرون في العدد، لكن القليل منهم يترك وراءه هذا الضوء الذي يظل مشتعلاً في الذاكرة.
رحم الله محمد الحاميدي رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجزىه عن كل يدٍ امتدت بالعطاء، وكل قلبٍ أصلحه، وكل كلمة خير قالها، خير الجزاء.
وسيظل اسمه، كما يردده الناس في بني مسكين وعين بلال وأولاد فريحة، مثالاً للرجل الذي عاش بسيطاً…
ورحل كبيراً.
وصدق القول:
الرجال قليلون… ولكن حين يظهر أحدهم، يعرفه الناس جميعاً.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

