LE212news.ma
لم تعد كرة القدم الإفريقية في نهائيات كأس العالم 2026 مجرد حضور رمزي أو مشاركة من أجل اكتساب الخبرة، بل أصبحت رقماً صعباً في معادلة المنافسة العالمية. فمنذ انطلاق البطولة، قدمت المنتخبات الإفريقية أداءً أكد أن القارة تجاوزت مرحلة “مفاجآت المونديال” إلى مرحلة الندية الحقيقية مع كبار الكرة العالمية. غير أن مشهداً واحداً ظل يتكرر بصورة مؤلمة: لعنة الدقائق الأخيرة.
فقد خرج منتخب جنوب إفريقيا من البطولة بهدف قاتل أمام كندا في الأنفاس الأخيرة من المباراة، ولحق به منتخب كوت ديفوار أمام النرويج في سيناريو مشابه، قبل أن يسقط المنتخب السنغالي أمام بلجيكا بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من جر المباراة إلى وقت إضافي، لتنتهي رحلة ثلاثة منتخبات إفريقية بالطريقة ذاتها: هدف متأخر، وحلم يتبخر.
هذه ليست مجرد مصادفة كروية، بل ظاهرة تستحق القراءة من زوايا متعددة.
إفريقيا الجديدة… حضور مختلف
إذا كانت النسخ السابقة من كأس العالم تعرف مشاركة محدودة للمنتخبات الإفريقية، فإن مونديال 2026، بفضل توسيع عدد المنتخبات، منح القارة حضوراً غير مسبوق، وهو حضور لم يكن عددياً فقط، بل كان تقنياً وتكتيكياً أيضاً.
فقد أظهرت المنتخبات الإفريقية تطوراً واضحاً في بناء اللعب، والانضباط التكتيكي، والقدرة على مجاراة مدارس كروية عريقة مثل ألمانيا وإنجلترا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال. ولم تعد المباريات تحسم بفوارق كبيرة، بل أصبحت التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق.
لقد اختفت صورة المنتخب الإفريقي الذي يكتفي بالدفاع، لتحل محلها صورة فريق يفرض شخصيته ويستحوذ على الكرة ويصنع الفرص ويحرج خصومه.
الدقائق الأخيرة… حيث يظهر الفارق
لكن كرة القدم الحديثة لا تكافئ الفريق الأفضل طوال المباراة بقدر ما تكافئ الفريق الأكثر تركيزاً حتى صافرة النهاية.
المنتخبات الأوروبية والأمريكية الجنوبية تمتلك خبرة تراكمية هائلة في إدارة اللحظات الحاسمة، سواء من خلال التحكم في إيقاع اللعب أو استثمار الإرهاق البدني والذهني للمنافس.
أما كثير من المنتخبات الإفريقية، فما زالت تعاني في هذه المرحلة الدقيقة من المباراة، حيث تتداخل عوامل اللياقة البدنية، والخبرة النفسية، وإدارة الضغوط، وجودة البدلاء، والقرارات التكتيكية للمدرب.
ولهذا جاءت الأهداف القاتلة وكأنها عنوان واحد لثلاث قصص مختلفة.
ليست لعنة… بل فجوة خبرة
وصف ما حدث بـ”اللعنة” يحمل بعداً درامياً، لكنه لا ينبغي أن يحجب الحقيقة.
فالأمر يتعلق أساساً بفجوة في إدارة التفاصيل الدقيقة، وهي تفاصيل تصنع البطولات.
فالمنتخبات الأوروبية تلعب عشرات المباريات ذات الضغط العالي كل موسم، سواء في دوري الأبطال أو البطولات المحلية الكبرى، بينما لا يحظى عدد كبير من اللاعبين الأفارقة بهذه البيئة التنافسية نفسها، خصوصاً داخل القارة.
إنها فجوة يمكن تجاوزها بالتكوين، وبالاستثمار في الإعداد الذهني، وفي علوم الرياضة، وفي تطوير المنافسات المحلية.
الإعلام… من خطاب الإحباط إلى ثقافة الإنجاز
ومن منظور سوسيو-إعلامي، تبدو مسؤولية الإعلام الإفريقي كبيرة في كيفية قراءة هذه النتائج.
فالخطاب الإعلامي التقليدي غالباً ما يختزل الهزيمة في “سوء الحظ” أو “التحكيم” أو “اللعنة”، بينما المطلوب اليوم هو خطاب تحليلي يفسر الظواهر ويشجع على ثقافة التطوير بدل ثقافة التبرير.
كما أن وسائل الإعلام مطالبة بإبراز التحول الحقيقي الذي تعرفه الكرة الإفريقية، وعدم اختزال التجربة في نتيجة مباراة واحدة.
فمجرد وصول هذا العدد من المنتخبات الإفريقية إلى الأدوار الإقصائية، وتقديمها عروضاً متكافئة أمام كبار العالم، يعد مؤشراً على أن القارة دخلت مرحلة جديدة.
المغرب… كسر العقدة
وسط هذا المشهد، يبرز المنتخب المغربي باعتباره نموذجاً مختلفاً في كيفية إدارة المباريات الكبرى، وهو ما راكمه منذ مونديال قطر 2022، ويواصله في نسخة 2026.
فالمغرب لم يعد يكتفي بالمنافسة، بل أصبح يمتلك ثقافة الانتصار، والقدرة على التحكم في نسق المباراة حتى في أصعب اللحظات، وهو ما يجعل التجربة المغربية مرجعاً لبقية المنتخبات الإفريقية.
المستقبل أقرب مما يبدو
قد تكون الدقائق الأخيرة قد أغلقت أبواب الدور المقبل أمام جنوب إفريقيا وكوت ديفوار والسنغال، لكنها في المقابل فتحت باباً جديداً أمام الكرة الإفريقية.
فالهوة التي كانت تفصل إفريقيا عن أوروبا لم تعد كما كانت قبل عقدين.
اليوم، لم تعد المنتخبات الإفريقية تخسر لأنها أقل موهبة، بل لأنها ما تزال تتعلم كيف تربح المباريات الكبرى حتى الثانية الأخيرة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم لهذا المونديال: إفريقيا لم تعد بعيدة عن القمة… إنها أصبحت على بعد دقائق فقط منها.

