.نيويورك : عبد الكريم مؤمن
منذ القدم، كان الإنسان يبحث عن الاستقرار قبل تكوين العائلة، وكان الاستقرار أيامها ينحصر في مكان آمن به ماء وكلأ…
الجوهر بقي هو هو… لأنه كلما قل الماء والكلأ والأمن، يوقف الإنسان مسألة الإنجاب وتعمير أرض أو فضاء حتى يهاجر لمكان تتوافر هاته العناصر الحيوية ( قصة إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل بلد آمن غير زي زرع وكيف أخرج لهم الله الماء وبعده الكلأ…) وهذا هو المطلوب حاليا من الدولة حله ليستقر الإنسان ويبدأ بالتكاثر… فما يطبق على الجزء يطبق على الكل
التربية: أنا أب لأربعة أطفال، كنت أعاني من مشكلة، أب زوجتي رجل غني وكان يدلل ابنائي كثيرا وانا كنت رافض، ولما تيقنت أن هذا الأمر ليس في صالح الأطفال منعته بكل إحترام من تقديم الأموال لأطفالي…
ذات مرة خرجت معهم للمول وكانوا كلما رأوا شيئا إلا ويطلبون مني شرائه لهم، وعندما أرفض يبدؤون بالصراخ وسط المول، وهنا توقفت وقلت لهم: سنتفق على شيء، سوف أعطي كل واحد منكم عشرة دولارات مصروف الجيب كل أسبوع، ولكم الحرية بصرفه كما تشاؤون، لكن تذكروا كم من الأشياء إشتراها لكم جدكم وانتهت دون إستعمال بالقمامة أو ثم التبرع بها…
ولكن إذا احسنتم التصرف وأتبثم لي بعد نهاية كل سنة بأن تصرفكم بالمال كان معقلنا وفي حاجات تحتاجونها، فسوف أقدم لمن أحسن منكم جائزة مالية كل نهاية السنة، مع ثقة وتقدير…
بدأنا نقاشا مطولا بالمول وبالسيارة أيضا وتركت لهم حرية التعبير، واستحسنوا تقديري لهم وترك حرية التعبير والمجادلة…
بعد مرور السنة وجدت أن اغلبهم وفر مالا لا بأس به، وأصبحوا يعرفون شيئا فشيئا كيفية التدبير بشكل تدريجي، وأصبح لديهم حس آخر وهو الأولويات حسب الحاجات والهوايات…
بل أصبحوا هم أيضا يوجهونني عند أذهب للتسوق بين مانحتاج وما يعتبر إسراف أو كماليات ( ستصدمون من النتيجة إذا طبقتم ذلك مع الأطفال، فهم أذكياء حسب التصرف معهم)… هذا نتاج الحرية والتقدير وإحترام الرأي…
قلت لإبني، هذا هو التسيير، إذا إستطعت تسيير ميزانيتك الخاصة، فأنت تستطيع تسيير حي بكامله وحتى ميزانية دولة بأكملها.
كيف؟
عندما تكتسب مهارات في التسيير كنتاج لتربية وسلوك، فأنت إمتلكت شيئا يفتقده العديد، وسوف تصبح مؤهلا لتسيير هؤلاء، اي تصبح قائدا وموجها لهم…
إذا كان لديك بقالة صغيرة، وعرفت كيف تدبر الموجودات وحصر المصاريف وأداء الديون والتكاليف وكنت تخرج آخر الشهر بربح او على الاقل بالتوازن، فقد وصلت للهدف الذي يسعى له أي إقتصادي ومدبر….
هنا يمكنك تسيير ألف بقالة او حتى ملايين البقالات، فسلسلة متاجر التجزئة تطبق مسطرة واحدة، أي ما نجح في الجزء ينجح بالكل، مجرد كوبي كولي لطريقة التسيير… بشرط ان تراعي المستجدات والظروف، فمتجر بقرية ليس هو متجر المدينة ومدينة صغيرة ليست بمدينة كبيرة، وهنا تطبق الأسلوب بطرق مختلفة، فالمقارنة هنا تحل المعضلة، أي طبق نموذج تسيير متجر أو ميزانية بالقرى على القرى المماثلة، والمدن بالحجم على مثلها… وهكذا سوف تنجح، زد عليهم الثقة بالنفس، والتعلم من التجارب والاجتهاد حسب الظروف، والتشاور مع أهل العلم والتجربة لإختصار المسافة وتطوير الأسلوب….
سيدي العزيز، مشكلتنا ليس في المال والثروة والإمكانيات، بل في التربية والتعليم والتكوين … لهذا تجد دولة صغيرة بلا إمكانيات تعيش أفضل من قارة تعج بالثروات…. لنتعلم ونعلم التربية العدل المساواة ونتقاسم فن العيش المشترك… هكذا تنهض الأمم

