نيويورك / عبد الكريم مومن
في مجتمع يعيش انقلابًا كاملاً في سُلَّم القيم، لم يعد الفساد انحرافًا عن القاعدة، بل أصبح هو القاعدة نفسها. كثيرون لا يسرقون لأنهم أشرار بطبعهم، بل لأنهم يشعرون أنه لا سبيل للترقي ولا للنجاح ولا حتى للاستمرار في مناصبهم إن لم يديروا ما دار الجار، أو كما يقال في المثل الشعبي: دير ما دار جارك أو غير باب دارك.
النقيّ الطاهر أصبح يخشى أن يُقصى، أن يُسحب البساط من تحته فقط لأنه لا يُجيد اللعب تحت الطاولة، ولا يجيد توزيع المنافع ولا هندسة الصفقات. في الانتخابات، لا يحصل الشريف على الأصوات لأنه لا يشتريها. في المؤسسات، لا يُكافأ المجتهد بل المطيع، وإن اجتهد النزيه، يُترك جانبًا لأن النقاء بات يُهدد التوازن القائم على المصالح.
في الأعراس والمناسبات، يغيب العالم والمثقف بعد مشهد ترحيبي مزيف و مؤقتا، ليس حبا فيه، بل نفاقا ومجاملة، ويُسلّط الضوء على من يملك المال أو النفوذ، ولو جاء به من السُحت. الفقيه، مهما علا شأنه، تقل مرتبته عند العامة، لكن تاجر مخدرات أو مختلس مال عام يخطف الأنظار بمجرد دخوله للمشهد لمجرد أن هندامه فخم وساعته لامعة ويخاطب بالحاج والشريف ليس حبا فيه ولكن لأنه يحمل ما يحتاجه المجتمع. هكذا تُروى الحكايات للأطفال وتُبنى الأحلام… لا على الأخلاق بل على الثراء، مهما كان طريقه.
والأخطر من كل هذا، أن البيوت بدأت تُنتج هذه العقلية. الآباء أصبحوا يُوصون أبناءهم بأن يستغلوا مناصبهم، ويضربون أمثلة حيّة: فلان، بدأ مثلك، واليوم عنده فيلا وسيارة ووزن. لا أحد يُعلّم أبناءه أن يكونوا صادقين، بل يُعلّمهم ألا يكونوا أغبياء.
ما يحدث ليس مسؤولية الدولة فقط، فالدولة جهاز، لكن هذا الجهاز مُسير من بشر ينتمون إلى نفس المجتمع. من حصل على الدبلومات المزورة؟ من سوّق للزبونية؟ من يتوسط ومن يُجامل ومن يغضّ الطرف؟ أغلبهم من داخل منظومة القانون والسلطة والتعليم، والمصيبة انهم جميعا أبناء الشعب من طبقات ( أدنى)
الخلل بنيوي، وجذوره في الثقافة لا في القوانين فقط. الدولة قد تكون لها العصا، لكنها لا تستطيع أن تُغير وحدها مجتمعًا لم يُعد يرى في الصدق قيمة، ولا في النزاهة ميزة.
هل يمكن أن نحلم بالمدينة الفاضلة؟ ربما، لكن ليس قبل أن نُعيد الاعتبار للصدق، ونعيد الثقة في الطرق الطويلة والمُتعبة. لن يبدأ الإصلاح من فوق، بل من تحت… من موقف شاب يرفض رشوة، من موظف يرفض محسوبية، من أم تقول لابنها: إرضَ بالقليل الشريف، ولا تغتنِ بالحرام.
إننا لا نُعاني فقط من الفساد، بل من التطبيع معه، من تبريره، من تحويله إلى شطارة. ولذلك، فإن من يُقاوم الفساد اليوم لا يُنظر إليه كبطل، بل كمغفّل… أو كما في العنوان: مجبرٌ أخاك على الفساد، لا بطلًا.
أنا لا أبرر الفساد ولا أحمل مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ولكن أعري عن أزمة قيم موجودة ومن زمان، ولكن المصيبة تعايشنا معها رغم اننا لانقبلها بالضمير الحي ولكن نرمي بها داخل ضميرنا الميت والغائب واللاإرادي، الفساد أصبح وكان مثل الأوكسجين نتنفسه لنعيش… 90 % ممن ينتقد الفساد اليوم ليس طاهرا، بل لم يحصل على حصته من الريع فقط…
أو كما يقول عالمنا الجليل: لا تنتقد الفساد، بل حاول التعايش معه

