نيويورك / عبد الكريم مومن
في ظل التحولات الدولية المتسارعة، لم تعد الطاقة مجرد عنصر اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى أداة ضغط وردع في الصراعات الجيوسياسية. وقد كشفت أزمة مضيق هرمز عام 2026 عن هشاشة منظومة الإمدادات العالمية، وأعادت رسم أولويات الدول الكبرى، خاصة في أوروبا، نحو تعزيز أمن الطاقة ومنع استخدامها كورقة ابتزاز.
خلال القرن الماضي، كانت نقطة من يتحكم بالبحار هو من يحكم التجارة الدولية، لكن مشكل الممرات والقنوات ظلت نقطة إستراتيجية، لذلك سوف تظل المحيطات هي شريان وعصب التجارة الدولية، لكن الأنابيب والطرق البرية سوف تصبح صمام أمان خلال الأزمات.
الطاقة كسلاح استراتيجي:
أثبتت التطورات الأخيرة أن التحكم في تدفق النفط والغاز يمكن أن يشكل أداة ضغط فعالة تعادل في تأثيرها الأدوات العسكرية. فإغلاق الممرات البحرية أو التهديد بذلك يؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، ما يضع الدول المستوردة تحت ضغط اقتصادي مباشر. هذا الواقع دفع القوى الكبرى إلى إعادة تعريف أمن الطاقة باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، والجواب هنا ليس سهلا، فليس فقط تسهيل تدفق النفط هو المقصود، بل أيضا هناك من يريد التحكم لمن يذهب هذا النفط، وبأية كلفة وكيف يمكن للقوى أن تساهم في الوصول للنفط أو جعله يتوقف لضرب إقتصادات منافسة، نحن أمام لعبة أستراتيجية لإعادة ضبط المصالح الدولية للقوى العظمى.
ألمانيا تقود التحصين بقانون كريتيس:
في هذا السياق، برز قانون KRITIS الألماني، الذي دخل حيز التنفيذ الكامل في مارس 2026، كأحد أبرز الأدوات التشريعية لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية.
يفرض القانون معايير صارمة على مشغلي شبكات الطاقة، تشمل:
تعزيز الحماية الفيزيائية والتقنية للمنشآت
إلزامية التبليغ الفوري عن أي تهديد أو تخريب
رفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة
وبذلك، تحولت منشآت الطاقة إلى مواقع محصنة قانونيا وأمنيا، تقل فيها فرص الاختراق أو التعطيل.
التوجه الأوروبي: صمود بدل الاعتماد
على مستوى الاتحاد الأوروبي، يتجه صانعو القرار نحو استراتيجية شاملة تقوم على الصمود بدل الاعتماد الأحادي.
وترتكز هذه الاستراتيجية على:
تنويع مسارات نقل الطاقة وليس فقط مصادرها
تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة
تعزيز الأنابيب البرية العابرة للحدود باعتبارها أكثر استقرارا وأقل عرضة للإغلاق
هذا التحول يعكس إدراكا أوروبيا بأن الجغرافيا السياسية قد تكون أخطر من نقص الموارد نفسه.
نحو قانون دولي ضد الابتزاز الطاقي:
في موازاة ذلك، تتصاعد الجهود الدبلوماسية لإرساء إطار قانوني دولي يحمي تدفقات الطاقة.
وتتمثل أبرز ملامح هذا التوجه في:
اعتبار أنابيب الطاقة ممرات دولية محمية
تجريم قطع الإمدادات لأسباب سياسية
فرض عقوبات اقتصادية وعزل مالي على الدول المخالفة
الهدف من هذه المبادرات هو إنهاء استخدام الطاقة كسلاح ضغط، وتحويلها إلى خدمة عالمية محمية بالقانون الدولي.
الاستثمار في البنية التحتية: من مخاطرة إلى ملاذ آمن
أدت هذه التحولات التشريعية إلى إعادة تقييم قطاع الطاقة من قبل المستثمرين.
فقد أصبحت مشاريع خطوط الأنابيب والبنية التحتية:
أكثر استقرارا من حيث العوائد
أقل عرضة للمخاطر السياسية
مدعومة بحماية قانونية ودولية متزايدة
ما جعلها تقترب من تصنيف الملاذات الآمنة في عالم الاستثمار.
نحن إذن أمام نظام طاقة جديد يتشكل، إذ تشير المؤشرات إلى أن العالم يتجه نحو نظام طاقة جديد، يقل فيه الاعتماد على المضايق البحرية الحساسة، ويزداد فيه الاعتماد على شبكات برية محمية قانونيا.
القوانين الجديدة، وعلى رأسها كريتيس، تمثل بداية مرحلة تسعى إلى إنهاء زمن الابتزاز الطاقي، وترسيخ استقرار الأسواق العالمية عبر حماية شرايين الإمداد الحيوية.
إذن نستنتج أنه لم تعد معركة الطاقة تدور حول من يملك الموارد، بل حول من يملك القدرة على تأمين تدفقها

