نيويورك / عبد الكريم مومن
بينما يتجه سكان الكوكب الأزرق نحو مستقبل تتصاعد فيه حدة تغير المناخ، تبرز أزمة المياه كتهديد وجودي صامت، ينسج خيوطه حول الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي للكوكب. ما قد يبدو اليوم مجرد تحدٍ بيئي أو اقتصادي في بعض المناطق، يوشك أن يتحول إلى واقع مرير لا بد منه في غضون عقود قليلة، مهدداً بإحداث تحولات ديموغرافية وجيوسياسية غير مسبوقة. إن الماء، ليس مجرد مورد، بل هو الركيزة الأساسية للأمن القومي المقبل، وفي الحقيقة كان الماء هو سبب الهجرات منذ القدم، لأنه هو والاكسجين والطاقة مصادر الحياة الحيوية.
تناقص حصة الفرد: إنذار مبكر
لقد شهدت حصة الفرد من المياه العذبة المتاحة انخفاضًا مقلقًا على مر السنين. فوفقًا لبيانات الأمم المتحدة، انخفضت حصة الفرد العالمية من موارد المياه العذبة المتجددة بأكثر من 20% خلال العقدين الماضيين فقط، ومن المتوقع أن يستمر هذا الانخفاض بوتيرة أسرع مع تزايد عدد السكان وتأثيرات تغير المناخ. على سبيل المثال، في مناطق معينة، انخفضت حصة الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو ما يصنف على أنه ندرة مياه مطلقة. هذا التناقص ليس مجرد رقم، بل هو ضغط متزايد على الزراعة، الصناعة، والصحة العامة.
الماء: الأمن القومي الجديد
تتجاوز أهمية الماء حدود الاستهلاك المباشر لتشمل جميع جوانب الأمن القومي:
الأمن الغذائي: بدون مياه كافية للري، تنهار النظم الزراعية، مما يؤدي إلى نقص الغذاء وارتفاع الأسعار، وتفاقم الفقر. تقدر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن حوالي 70% من سحب المياه العذبة على مستوى العالم يذهب للزراعة. أي نقص في المياه يعني تهديدًا مباشرًا لطبق الإنسان.
الاستقرار الاقتصادي: ندرة المياه تعرقل التنمية الصناعية، وتزيد من تكاليف الإنتاج، وتؤثر سلبًا على الناتج المحلي الإجمالي. كما أنها تزيد من تكاليف الطاقة اللازمة لمعالجة ونقل المياه.
الصحة العامة: نقص المياه النظيفة يؤدي إلى انتشار الأمراض المرتبطة بسوء الصرف الصحي ونقص النظافة، مما يضع عبئًا هائلاً على أنظمة الرعاية الصحية.
السلام الاجتماعي: عندما تندر المياه، تشتعل الصراعات على الموارد الشحيحة، مما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وحتى نزاعات مسلحة داخل الدول وعبر الحدود، وقد بدأت فعلا حروب الماء حاليا بدق الطبول.
الهجرات والفقر: تداعيات حتمية
السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو الارتباط الوثيق بين ندرة المياه وظاهرتي الهجرة والفقر. في مناطق عدة حول العالم، بدأنا نشهد بوادر هجرة نوح البرية، ليس بسبب الفيضانات، بل بسبب الجفاف والتصحر:
الفقر المائي: المجتمعات التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة البعلية أو مصادر المياه الطبيعية تكون أول من يتأثر. مع جفاف الأراضي، يفقد الملايين مصادر رزقهم، مما يدفعهم إلى الفقر المدقع.
النزوح القسري: عندما تصبح الحياة غير ممكنة في مناطق المنشأ، لا يجد الناس مفرًا سوى النزوح بحثًا عن المياه والغذاء وفرص العيش. تقدر بعض التوقعات أن تغير المناخ وحده يمكن أن يؤدي إلى نزوح مئات الملايين من الأشخاص داخليًا بحلول عام 2050، مع كون ندرة المياه عاملاً رئيسيًا.
ضغط على الدول المستقرة: هذه الموجات البشرية الهائلة، التي لا يمكن محاربتها لأسباب إنسانية، ستضع ضغطًا هائلاً على الدول الغنية والأكثر استقرارًا. ستجد هذه الدول نفسها مضطرة لتقديم الإغاثة والمأوى والغذاء لجموع ضخمة من الناس دون مقابل، مما يثقل كاهل اقتصاداتها ويؤدي إلى توترات اجتماعية داخلية.
الاستثمار اليوم: ضرورة حتمية
إن التكاليف الباهظة للحلول المستدامة لأزمة المياه (مثل محطات تحلية المياه الضخمة التي تعمل بالطاقة النظيفة، وإنشاء شبكات أنابيب مياه عابرة للدول) تبدو ضخمة حاليًا. ومع ذلك، فإن التكلفة الحقيقية لعدم الفعل ستكون أعلى بكثير في المستقبل، كذلك يجب إعادة تدوير كل نقطة ماء من أي مصدر، وجعل مياه الصنابير ذكية تعطي كل فرد حصته فقط حسب أفراد كل أسرة ة، وكذلك يجب إعادة النظر في الحلول الزراعية وتعديل النشاط الزراعي حسب كل منطقة.
إن الإهمال اليوم يعني مواجهة واقع تزداد فيه الصراعات، وتتفاقم فيه الهجرات، ويصبح فيه تأمين قطرة ماء صراعًا وجوديًا. الاستثمار في هذه الحلول ليس خيارًا ترفيًا، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى، وهو استثمار في الاستقرار العالمي والأمن القومي لكل دولة، غنية كانت أم فقيرة. فالماء، الذي كان يُنظر إليه دائمًا كمورد طبيعي بديهي، أصبح الآن على رأس قائمة الأولويات الأمنية لمستقبل البشرية، إذا حدث الجفاف ستتبعه حثما المجاعة، والله ينجينا جميعا من ثورة جياع العالم فلن تستطيع اي دولة مهما كانت قوية أن توقف الزحف، لذلك فالمشكل يعني الجميع

