بقلم سعيد ودغيري حسني
من خلال كثرة الإعلانات التي تغزو هاتفي
وتتسلل إلى تفاصيل يومي دون استئذان
وتهمس في أذني بوعود الأرباح المادية السريعة
وتعرض صورا براقة لحياة سهلة لا تعرف التعب
وجدت نفسي أتوقف طويلا أمام هذا السيل
وأتساءل في صمت عميق
هل يمكن للحلم أن يكون بهذه البساطة
وهل يمكن للرزق أن يأتي من ضغطة زر
دفعتني الحيرة إلى البحث
فدخلت هذا العالم من بابه الواسع
وتتبعت الخيوط التي لا تظهر للوهلة الأولى
واكتشفت أن خلف الألوان الزاهية
حكاية أخرى لا تُحكى بسهولة
حكاية تُخفى بعناية خلف ستار الإغراء
يدعونك إلى اللعب
يقدمون لك الطريق مفروشا بالأمل
نقاط تتراكم كأنها كنز قريب
مراحل تُفتح كأنها أبواب نحو الغنى
وأنت تمشي بخطى متسارعة
تظن أنك تقترب من لحظة الحصاد
لكن الطريق يطول كلما تقدمت
والنهاية تتراجع كلما اقتربت
كأنك تطارد سرابا في صحراء واسعة
كلما ظننت أنك بلغته
وجدته يبتعد عنك أكثر
تتكرر الإعلانات كنبض لا يتوقف
تملأ الفراغ بين كل لحظة وأخرى
تراقبك في صمت
وتعد عليك أنفاسك دون أن تشعر
وأنت تظن أنك الرابح
بينما الحقيقة تسير في اتجاه مختلف تماما
هناك من يربح بالفعل
لكن ليس أنت في أغلب الأحيان
بل أولئك الذين صمموا هذه العوالم
الذين يعرفون كيف يُمسكون بالانتباه
ويحولون الوقت إلى أرقام
والمشاهدات إلى أرباح
والبيانات إلى كنز خفي لا تراه
يربحون من الإشهارات التي تشاهدها
ومن الساعات التي تمنحها بلا حساب
ومن خطواتك داخل اللعبة
ومن كل اختيار تظنه بسيطا
بل وقد يربحون من أوهام تُباع
لمن يبحث عن فرصة سريعة
في زمن صار فيه الانتظار ثقيلا
ليست كل الحكايات خداعا مطلقا
لكنها في كثير من الأحيان نصف حقيقة
والنصف الآخر غارق في الظل
يحتاج إلى وعي حتى يظهر
وإلى بصيرة حتى يُفهم
تمضي الساعات كأنها لحظات
وتذوب الأيام في تفاصيل صغيرة
وتكبر الوعود في داخلك
حتى تكاد تصدقها يقينا
لكن حين تعود إلى الواقع
تجد أن الجيب ما زال كما هو
وأن الحلم كان أكبر من الحقيقة
وهنا تدرك أن اللعبة الحقيقية
ليست فقط على شاشة الهاتف
بل في الفكرة التي تُزرع بهدوء في الذهن
أن الربح يمكن أن يأتي بلا جهد
وأن الطريق يمكن أن يكون مختصرا
وأن التعب لم يعد ضروريا
لكن الحياة تقول شيئا آخر
تقول إن لكل ثمرة وقتها
وأن لكل جهد مقابل
وأن الطرق المختصرة غالبا ما تكون وهما
يُزينه بريق اللحظة
ويخفي خلفه فراغا طويلا
فكان لابد أن أكتب
لا لأمنع أحدا من اللعب
فاللعب متعة يحتاجها الإنسان
لكن لأكشف الستار قليلا
ولأضع ضوءا في زاوية مظلمة
حتى لا يسير الناس خلف السراب
اجعل اللعب للراحة لا للركض
اجعله فسحة لا مصدرا للأمل الكاذب
واحفظ وقتك كأنه كنز حقيقي
لأنه كذلك بالفعل
فالحياة أكبر من شاشة صغيرة
وأعمق من إعلان عابر
والرزق لا يولد من وهم
بل من سعي صادق
ومن خطوات ثابتة تعرف طريقها جيدا
ومن وعي يحمي صاحبه
من أن يتحول إلى رقم
في لعبة لا تنتهي

