كتب / أحمد اكلكيم
تُشكّل اللغة في المجتمعات أكثر من مجرد أداة للتواصل؛ إنها حاملة للرموز، ومرآة لتمثلات اجتماعية عميقة، تعكس ما يُقدّر وما يُستهجن، ما يُعتبر احترافًا وما يُعدّ ضعفًا. وفي السياق المغربي، تتقاطع اللغة الدارجة، بتعبيراتها الغنية، مع الأمازيغية، لتنتج مفردات مشبعة بدلالات ثقافية ومجتمعية، منها مصطلحا “أمغيز” و “أمغرز”، اللذان يبرزان في الاستعمال اليومي كوسمين شعبيين للدلالة على الإتقان، القوة في الإنجاز، والتفوق في الأداء.
لقد أصبح هذان المصطلحان يتجاوزان وظيفتهما التواصلية البسيطة، ليلجا المجال الإعلامي حيث يُستعملان، بشكل ضمني أو مباشر، لتوصيف منتجات إعلامية تتميّز بالجودة، سواء على مستوى التحقيقات، أو المعالجات الصحفية، أو الإنتاجات المرئية.
هذا التحول في دلالة المفردتين، من التفاعل الشفهي اليومي إلى وسوم سوسيو-مهنية داخل الخطاب الإعلامي، يطرح أسئلة متعددة حول: كيف تُعيد اللغة الشعبية تعريف مفاهيم الجودة والاحتراف داخل الحقل الإعلامي؟ وما دلالة هذا التداخل بين اللغة والهوية المهنية في ظل التحولات السوسيو-ثقافية التي يعرفها المشهد الإعلامي المغربي؟
ينطلق هذا المقال من مقاربة سوسيو-لغوية وإعلامية، تحاول تتبع المسار الدلالي والاجتماعي لهذين المصطلحين داخل بنية الخطاب الإعلامي، من خلال تحليل تمظهراتهما، ووظيفتهما التقييمية، وتموقعهما داخل مفاهيم التقدير والاعتراف المجتمعي. كما يسعى المقال إلى إظهار كيف تُساهم اللغة الشعبية في تشكيل هُوية مهنية مغربية داخل الإعلام، تقوم على التفاعل مع المرجعية الثقافية المحلية، وتعيد بناء “الاحترافية” من منطلقات غير تقليدية.
لكن، ما الذي يجعل هذين المصطلحين يكتسبان هذه الحمولة الدلالية القوية؟ وكيف يمكن فهم استعمالهما من منظور سوسيو-إعلامي يربط بين اللغة، الثقافة، وممارسات التواصل داخل الحقل الإعلامي المغربي؟
الامتداد الثقافي والاجتماعي للمصطلحين
“أمغيز” و”أمغرز” مشتقّان من الأمازيغية، وتم تطويعهما داخل الدارجة المغربية، حيث أصبحا يحملان معانٍ ترتبط بـ”القوة في الأداء”، “الصرامة الإبداعية”، و”التميز في النتيجة النهائية”.
في السياق اليومي، يُقال عن شخص أو عمل ما إنه “مْغيز” أو “مْغرز” عندما يُظهر ذلك العمل براعة أو احترافية تثير الإعجاب، خصوصًا عندما تكون غير متوقعة أو تتجاوز السائد.
يدلّ هذا الاستعمال على تقدير شعبي للجهد والإتقان، كما يعكس نوعًا من الاعتراف المجتمعي الضمني بقيمة العمل الجيد، وهو ما يُترجم إلى رأسمال رمزي لصاحبه، خاصة في المجالات التي تتقاطع فيها الذاتية مع المهنية كالفن، والإعلام، والصحافة.
في الاستعمال الإعلامي: من التوصيف الشعبي إلى وسْم الجودة
في الميدان الإعلامي، يُستخدم مصطلحا “أمغيز” و”أمغرز” للتعبير عن جودة صياغة مقال، أو دقّة تحليل، أو عمق معالجة لقضية ما. ويمكن القول إن هذين المصطلحين يُوظفان أحيانًا كدالّين على التميز المهني، وكأداتين لتقييم الإنتاج الإعلامي، خصوصًا في سياقات غير رسمية أو في تعليقات الصحفيين والنقّاد عبر الوسائط الاجتماعية.
مثلا ، عند تحليل نتائج تحقيق صحفي معمّق عن قضية فساد، قد يعلّق أحد المتتبعين بالقول: “هذا تحقيق مْغيز بزاف”، في إحالة إلى قوّة المعطيات وتماسك العرض.أو عند إصدار تقرير صحفي مدعوم بأرقام ورسوم بيانية وتحليل متعدد الزوايا، يُقال: “هذا خدام عليه شي صحافي مْغرز”، أي ذو احترافية واضحة.
المقاربة السوسيو-إعلامية: قراءة في الدلالة والتحوّل
إن استعمال مفردات عامية مثل “أمغيز” و”أمغرز” في الخطاب الإعلامي، يعكس تداخلاً بين المرجعية الشعبية والبناء المهني للغة الإعلام. فهذه المفردات تشتغل في مناطق التفاعل ما بين الجمهور والفاعل الإعلامي، حيث تُعيد تعريف ما يُعتبر “جودة” أو “احترافية”، ليس فقط من منظور المعايير الأكاديمية، بل أيضًا من زاوية التلقي الشعبي والتأثير المجتمعي.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى “أمغيز” كآلية رمزية لإعادة ترميز الإنتاج الإعلامي الجيد من منظور الثقافة المحلية، وهو ما يسمح بفهم أعمق لمفهوم الجودة الإعلامية باعتبارها ليست فقط مسألة تقنية، بل أيضًا اجتماعية وثقافية.
خلاصة
تكشف مفردتا “أمغيز” و”أمغرز” عن قدرة التعبيرات الشعبية على اختراق الحقل الإعلامي، ليس فقط كلغة، بل كأدوات تقييم ووسوم رمزية للجودة والإتقان. واعتماد هذه المصطلحات في وصف المحتوى الإعلامي يُعدّ أحد تجليات ما يمكن تسميته بـ**”السوسيو-احترافية”**: أي التقاء المعايير التقنية بالإحساس الاجتماعي بالجودة.
وعليه، فإن فهم هذه الظواهر اللغوية داخل الإعلام المغربي يُعدّ مدخلًا ضروريًا لأي مقاربة تريد استكشاف العلاقة بين الثقافة واللغة والإعلام في سياق التحولات الرقمية والمجتمعية.

