كتب/ أحمد أكلكيم
لم يكن المخرج عبد الرحمان الخياط مجرد اسم مرّ في ذاكرة الصورة المغربية، بل كان علامة راسخة في وجدان حيٍّ بكامله، وفي تاريخ جيلٍ من المبدعين الذين آمنوا بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة، وبأن الإخراج فعلُ تربيةٍ بقدر ما هو فعلُ إبداع.
منذ بداية سبعينات القرن الماضي، برز عبد الرحمان الخياط كمخرجٍ وفنانٍ صامت الحضور، عميق الأثر. رجل لا يرفع صوته، لكنه يترك بصمته واضحة في كل عملٍ أشرف عليه.
في استوديوهات التلفزة المغربية بعين الشق، كان اسمه يُنطق باحترام، لأن الجميع كان يعرف أن الأمر لا يتعلق فقط بعملٍ تلفزيوني، بل بورشة فكرية وجمالية تُدار بحسّ المعلم.
ارتبط اسم الراحل الكبير ارتباطًا وثيقًا باسم زوجته، الفنانة الراحلة نعيمة لمشرقي، في علاقةٍ تجاوزت حدود الزواج إلى شراكة فنية وإنسانية نادرة. لم يكن الخياط مجرد مخرج لأعمال شاركت فيها نعيمة لمشرقي، بل كان أحد صُنّاع مسارها، من صقل موهبتها، إلى توجيه أدائها، إلى الإيمان العميق بقدرتها على حمل أدوار مركبة وقيادية داخل المشهد الفني المغربي. ومع الزمن، تحوّل هذا الثنائي إلى رمزٍ من رموز الالتزام والجودة في الدراما المغربية.
شاءت الأقدار أن أكون شاهد عيان على واحدة من أهم محطات هذا المسار، خلال مراحل إنتاج السلسلة التلفزيونية «ألف لام»، التي صُوّرت باستوديوهات عين الشق، واستمر عرضها ما بين سنتي 2000 و2004. هناك، عن قرب، كان يمكن ملاحظة دقة عبد الرحمان الخياط، وصبره، وحرصه على التفاصيل الصغيرة التي تصنع العمل الكبير.
في «ألف لام»، قدمت نعيمة لمشرقي واحدا من أدوارها الخالدة في شخصية الراوية «لالة فقيهتي»، ذلك الصوت الدافئ الذي كان يجمع بين الحكمة الشعبية والبعد التربوي. وشارك في تشخيص السلسلة ثلّة من كبار الفنانين المغاربة؛ عبد الإله عاجل، صلاح الدين بنموسى، عبد القادر مطاع، سعاد صابر، نجوم الزهرة، نعيمة الياس، وغيرهم من الأسماء التي منحت العمل عمقه وقيمته.الطاقم التقني كان يتكون من عبد الحق ودن مديرا للتصوير ، عمر بالقائد في الإنارة و محمد ضريف ضابطا للصوت .
ولم تكن «ألف لام» عملاً عاديًا، بل تُعدّ أول تجربة تلفزيونية مغربية ناجحة ربطت بين المسرح والمجال السمعي البصري، في مشروع تربوي طموح يهدف إلى تعليم اللغة العربية للكبار ومحو الأمية، عبر استثمار المتن الحكائي الشعبي المغربي، وتمرير القيم الإنسانية، واستخلاص الحكم والعبر من الحكاية اليومية البسيطة.
هذا العمل الرائد كان ثمرة تعاون ثقافي واع ،من إنتاج وإعداد الأستاذ والباحث حسن الصميلي، والكاتب المسرحي محمد قاومي، و سعيد ودغيري حسني ،ليشكّل نموذجًا لما يمكن أن يقدمه التلفزيون العمومي حين يلتقي الفكر بالإبداع، والتربية بالفن.
برحيل عبد الرحمان الخياط، تفقد عين الشق أحد كبارها، ويفقد المشهد السمعي البصري المغربي مخرجًا من طينة نادرة؛ مخرجًا آمن بالإنسان، وبالحكاية، وبقدرة الصورة على التغيير الهادئ والعميق.
رحم الله ، المخرج الكبير عبد الرحمان الخياط،الروداني الأصل ، البيضاوي المنشأ ،وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من أعمال شاهدة له لا عليه، في ذاكرة الفن المغربي ووجدان جمه.
تعازينا الحارة إلى أبنائه و إلى أخيه المخرج مصطفى الخياط .

