Le212news.ma
ليست الجهوية المتقدمة في المغرب مجرد إصلاح إداري أو إعادة توزيع للاختصاصات بين المركز والجهات، وإنما هي مشروع مجتمعي متكامل يروم إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجال، وبين القرار العمومي وحاجيات المواطنين. لذلك جاءت الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة، المنعقد بمدينة طنجة، لتجدد التأكيد على جوهر هذا الاختيار الوطني.
فالفقرة التي أكد فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن “الجهوية المتقدمة التي أرسينا دعائمها في المغرب هي اختيار استراتيجي لتحديث الدولة، وترسيخ الديمقراطية المحلية، وتحرير الطاقات، وتكريس مبدأ الإنصاف بين الجهات، وربط التنمية بخصوصيات كل مجال وبمؤهلاته وحاجيات ساكنته”، تختزل في الواقع فلسفة النموذج المغربي في التنمية الترابية.
لقد انتقل المغرب تدريجياً من تصور تنموي يقوم على مركزية القرار إلى رؤية تجعل من الجهة فاعلاً أساسياً في التخطيط والاستثمار وصناعة المستقبل. ولم تعد الجهات مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت فضاءات لإنتاج السياسات العمومية، واستثمار المؤهلات المحلية، وتثمين الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والبيئية لكل مجال.
إن أهمية هذه الرؤية تكمن في أنها تقطع مع منطق التنمية الموحدة التي لا تراعي اختلاف المجالات، لتؤسس لمعادلة جديدة قوامها أن لكل جهة إمكانياتها، ولكل مجال أولوياته، ولكل ساكنة انتظاراتها. فالتنمية الحقيقية لا تُفرض من المركز، وإنما تُبنى انطلاقاً من معرفة دقيقة بخصوصيات التراب، ومن إشراك المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني في رسم مستقبل جهاتهم.
وإذا كانت الرسالة الملكية قد أشارت إلى أن هذه الرؤية مكنت من ترسيخ موقع الجهة باعتبارها فضاءً للتخطيط الاستراتيجي وتعبئة الاستثمار وإنعاش الاقتصاد المحلي وتقوية الالتقائية بين البرامج القطاعية والترابية، فإن ذلك يعكس تحولا عميقاً في مفهوم الدولة نفسها؛ دولة تنسق أكثر مما تدبر، وتواكب أكثر مما تحتكر القرار، وتمنح الجهات الأدوات الكفيلة بصناعة تنميتها.
غير أن نجاح هذا الورش لا يقاس فقط بالنصوص القانونية أو بحجم الاختصاصات المنقولة، وإنما بمدى قدرة الجهات على تحويل هذه الصلاحيات إلى مشاريع تنموية ملموسة، وبكفاءة النخب الترابية في تدبير الموارد، وبقدرتها على الابتكار وجلب الاستثمار وخلق فرص الشغل وتحسين جودة الخدمات العمومية.
كما أن الجهوية المتقدمة تضع الجميع أمام مسؤولية مضاعفة. فالمطلوب اليوم ليس فقط المزيد من نقل الاختصاصات، وإنما أيضاً ترسيخ ثقافة الحكامة الترابية، وتعزيز الكفاءات، وتحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين حتى لا تتحول الجهوية إلى مجرد تقسيم إداري جديد، بل إلى رافعة حقيقية للتنمية والعدالة المجالية.
ويكتسي انعقاد هذا المؤتمر العالمي بمدينة طنجة دلالة خاصة، فهو اعتراف دولي بالتجربة المغربية، وفي الوقت نفسه فرصة لإبراز ما راكمه المغرب من خبرة في تدبير الشأن الترابي، والاستفادة من التجارب الدولية في مجال الحكامة المحلية والتنمية المستدامة.
إن مغرب اليوم، وهو يستعد لاحتضان استحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى جهات قوية، ومدن تنافسية، ومجالات قادرة على استثمار مؤهلاتها الذاتية. فالرهان لم يعد فقط تنمية المدن الكبرى، بل تمكين كل جهة، وكل إقليم، وكل جماعة، من أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة التنمية الوطنية.
لقد حسم المغرب خياره منذ سنوات: التنمية لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا كانت ترابية، والديمقراطية لا تكون مكتملة إلا إذا كانت محلية، والدولة الحديثة لا تكتمل إلا بجهات قوية، متضامنة، وقادرة على تحويل مؤهلاتها إلى ثروة وفرص وجودة حياة. ومن هنا، فإن الجهوية المتقدمة ليست مرحلة عابرة في مسار الإصلاح، بل هي مستقبل الدولة المغربية في أفق تنموي ج

