le212news.ma
في عالم أصبحت فيه “الصورة” رأسمالاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن البنية التحتية والاستثمارات، يدرك المغرب أن الحفاظ على مكانته كوجهة سياحية عالمية لا يتوقف فقط على تشييد الفنادق أو تأهيل المدن العتيقة، بل يرتبط أيضاً بقدرته على تدبير مختلف الظواهر الاجتماعية التي تنعكس على الفضاء العمومي، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية القادمة من دول الساحل الإفريقي.
لقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانته ضمن أبرز الوجهات السياحية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط. ملايين السياح يقصدون مراكش وأكادير وفاس وطنجة والصويرة والرباط، مستفيدين من الاستقرار السياسي والأمني الذي تنعم به المملكة، ومن تنوعها الثقافي والطبيعي الذي أصبح يشكل علامة مميزة في الأسواق السياحية العالمية.
غير أن هذا النجاح يتزامن مع تحولات جيوسياسية عميقة تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، حيث أدت النزاعات المسلحة، والانقلابات السياسية، وتنامي التنظيمات الإرهابية، والفقر، والتغيرات المناخية، إلى ارتفاع موجات الهجرة نحو شمال إفريقيا، وتحول المغرب تدريجياً من بلد عبور إلى بلد استقبال وإقامة بالنسبة لعدد من المهاجرين.
هذه الوضعية تفرض تحديات حقيقية على المدن المغربية، خاصة عندما تتشكل تجمعات غير منظمة في بعض الساحات العمومية أو بالقرب من المحطات والفضاءات المفتوحة، وهو ما قد يؤثر على المشهد الحضري ويثير انطباعات سلبية لدى بعض الزوار. فالسياحة تقوم، إلى جانب جودة الخدمات، على الإحساس بالأمن والنظام وجمالية الفضاء العام، وهي عناصر تشكل جزءاً من التجربة السياحية.
لكن من الخطأ اختزال هذه الظاهرة في علاقة سببية مباشرة بين الهجرة وانهيار السياحة. فالمؤشرات السياحية المغربية خلال السنوات الأخيرة أظهرت قدرة القطاع على تحقيق نتائج إيجابية رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالهجرة، وهو ما يدل على أن عوامل الجذب السياحي للمغرب ما تزال قوية، وأن الصورة الدولية للمملكة تستند إلى عناصر متعددة تتجاوز هذا العامل وحده.
التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تدبير الظاهرة. فكلما نجحت السلطات في تنظيم الفضاء العمومي، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وضمان الأمن، وتسريع معالجة أوضاع المهاجرين وفق القانون، حافظت المدن المغربية على جاذبيتها السياحية دون المساس بالالتزامات الإنسانية للمملكة.
ومنذ إطلاق السياسة الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2013، تبنى المغرب مقاربة تقوم على الموازنة بين البعد الإنساني والبعد الأمني، حيث تمت تسوية أوضاع آلاف المهاجرين، وفتح المجال أمام استفادتهم من التعليم والخدمات الصحية، مع مواصلة تفكيك شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وتعزيز مراقبة الحدود في إطار شراكات مع الاتحاد الأوروبي ودول إفريقية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة استثماراتها الضخمة في القطاع السياحي من خلال تطوير البنية التحتية، وتأهيل المدن العتيقة، وتحسين شبكات النقل، والترويج للمغرب في الأسواق الدولية، استعداداً لاستحقاقات كبرى من بينها احتضان كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم 2030، وهي مشاريع تعكس ثقة الدولة في مستقبل السياحة المغربية.
إن الرهان اليوم لا يتمثل في وضع الهجرة والسياحة في مواجهة بعضهما البعض، وإنما في بناء سياسات عمومية تجعل من حماية الفضاء العمومي، وتعزيز الأمن، واحترام الكرامة الإنسانية، عناصر متكاملة داخل نموذج تنموي واحد. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي والتزاماته الدولية، لا يستطيع أن يغلق أبوابه أمام الأزمات الإقليمية، لكنه في المقابل مطالب بالحفاظ على جودة مدنه، وصورته الدولية، وتنافسية وجهاته السياحية.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن نجاح السياحة لا يتحقق فقط عبر التسويق للمناظر الطبيعية أو المآثر التاريخية، بل أيضاً من خلال حسن تدبير التحولات الاجتماعية التي تعرفها البلاد. فكلما كان الفضاء العمومي منظماً، وكلما كانت السياسات الأمنية والإنسانية متوازنة، ازداد اطمئنان الزائر، وتعززت مكانة المغرب كوجهة تجمع بين الانفتاح والاستقرار، وبين احترام الإنسان وحماية المصالح الوطنية.

