كتب/ أحمد أكلكيم
في كل مرة تُوجَّه فيها انتقادات إلى أوضاع الصحافة في بلدان الجنوب، تُرفع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها النموذج الأعلى لحرية التعبير واستقلال الإعلام. لكن القرار الأخير الصادر عن البنتاغون بإغلاق أبوابه أمام الإعلام وفرض قيود صارمة على المراسلين المعتمدين يذكّرنا بحقيقة غالبًا ما تُخفى خلف الخطابات المثالية: لا توجد ديمقراطية بمنأى عن إغراء تقييد المعلومة حين تتقاطع مع السلطة والأمن والمصالح السياسية.
القرار الأمريكي الجديد لا يقتصر على تنظيم إداري عابر، بل يتضمن إجراءات تمس جوهر العمل الصحفي: منع طلب أو نشر بعض المعلومات دون موافقة صريحة من وزارة الدفاع، التهديد بسحب الاعتماد الصحفي، تقييد حركة الصحفيين داخل المبنى، فرض مرافقة رسمية خارج مناطق محددة، ثم إغلاق “ممر المراسلين” الذي شكّل لعقود رمزًا للتواصل المباشر بين الصحافة والمؤسسة العسكرية.
من منظور سوسيو-إعلامي، تكشف هذه الخطوة عن مفارقة عميقة في العلاقة بين الدولة والإعلام. فالسلطة، حتى داخل أعرق الديمقراطيات، تميل في لحظات التوتر أو الحساسية الأمنية إلى إعادة تعريف حدود الشفافية. وهنا تتحول “إدارة المعلومات” إلى آلية للضبط الرمزي: ليس فقط ما يُقال، بل من يحق له أن يسأل وكيف يتحرك ومن يرافقه أثناء عمله.
الأمر لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها. بل يسلط الضوء على ظاهرة عالمية أوسع يمكن تسميتها «تأميم السردية»، أي سعي المؤسسات الحاكمة إلى احتكار الرواية الرسمية للأحداث وتقليص المساحات التي تسمح للصحفيين بإنتاج روايات مستقلة. وفي زمن الأزمات الدولية والحروب والمنافسات الجيوسياسية، يصبح الإعلام ساحة صراع لا تقل أهمية عن الميدان العسكري نفسه.
قد يقول البعض إن للدول حقًا مشروعًا في حماية أسرارها العسكرية وأمنها القومي، وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن السؤال الديمقراطي الحقيقي هو: أين ينتهي الأمن القومي ويبدأ الحق العام في المعرفة؟ فعندما تصبح الموافقة المسبقة شرطًا للنشر، ويتحول الصحفي إلى مرافق رسمي بدل أن يكون مراقبًا مستقلاً، فإن وظيفة الإعلام الرقابية تتعرض للتآكل تدريجيًا.
اللافت أيضًا أن هذه الإجراءات تصدر من بلد طالما استخدم خطاب حرية الصحافة معيارًا للحكم على تجارب الآخرين. وهذا لا يعني السقوط في خطاب “الجميع يفعل ذلك” لتبرير التضييق على الإعلام محليًا، بل العكس تمامًا: يجب أن يدفعنا إلى قراءة أكثر واقعية وأقل تبسيطًا لمسألة حرية الصحافة. فالمشكلة ليست في الجغرافيا السياسية، بل في طبيعة العلاقة البنيوية بين السلطة والمعلومة.
في النهاية، ما يحدث في البنتاغون يذكّرنا بأن حرية الصحافة ليست امتيازًا مضمونًا، بل توازنًا هشًا يحتاج دائمًا إلى يقظة المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والرأي العام. وحتى في أمريكا، حيث تُرفع شعارات الشفافية على نطاق واسع، يمكن للأبواب أن تُغلق فجأة في وجه الصحفيين، ويمكن للممرات المفتوحة أن تتحول إلى مناطق محظورة.
إنها لحظة تستحق التأمل، لا الشماتة. لأن السؤال الذي تطرحه لا يخص واشنطن وحدها، بل كل مجتمع يريد أن يعرف: من يملك الحق في الوصول إلى الحقيقة؟ أو بصيغة أخرى : من يخاف من الضوء؟

