مقدمة:
أصبحت المعضلة الأمنية في منطقة الساحل والصحراء معقدة للغاية، حيث ينظر إليها الكثيرون بتشاؤم وقلق كبيرين، ويصفونها بأنها مشكلة أمنية معقدة، لم تقتصر تهديداتها على أفريقيا فقط بل امتدت آثارها غير المباشرة لتمثل تهديداً لأمن الدول المغاربية و منها إلى الدول الغربية.
و تواجه منطقة الساحل الإفريقي في دوائرها الجيوسياسية المختلفة تهديدات أمنية ، تتمثل في الجريمة المنظمة والتجارة غير المشروعة والاتجار بالبشر والأسلحة، وصولاً إلى تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية، علاوة على النشاط المتزايد لعصابات التهريب والجماعات الإرهابية، تتغذى هذه الظواهر على أوضاع اجتماعية وسياسية وثقافية وعسكرية تعيشها المنطقة، وتمتد تأثيراتها إلى الحدود الجنوبية ،ومختلف دول الجوار.
بالنظر لهذه المتغيرات، تشير كل الدراسات إلى أن منطقة الساحل الإفريقي ستظل منصة حاضنة لتواجد عسكري أجنبي، وللجماعات الإرهابية ومجموعات الجريمة المنظمة، وبالنظر لعدم وجود سياسة أمنية مشتركة أو مقاربة أمنية موحدة من قبل الدول المغاربية تجاه منطقة الساحل الأفريقي، و أن الاختلاف وعدم التوافق في الرؤى جعل تلك الدول عرضة للتهديدات والتحديات الأمنية التي يشهدها إقليم الساحل.
و أمام هذه الوضعية سنحاول الإجابة من خلال هذا المقال على سؤالين محوريين :
ما هي أهم الاستراتيجيات المغاربية في التعامل مع التهديدات الأمنية جراء الأوضاع الأمنية في دول الساحل الإفريقي؟ تم ،ما هي التداعيات المترتبة على تدهور الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والصحراء على أمن دول المغرب العربي (سياسياً.. اقتصادياً.. اجتماعياً.. أمنياً)؟
1_ الناحية المفاهيمية و السياق التاريخي لمصطلح منطقة الساحل والصحراء
تُعَد الأوضاع الأمنية في مناطق الساحل والصحراء معقدة وصعبة للغاية، وتعكس تحديات متعددة الأبعاد تواجهها الدول في هذه المناطق. من الناحية المفاهيمية، يمكن تحليل الأوضاع الأمنية من خلال عدة جوانب أهمها:
- التهديدات الإرهابية والتطرف: تنتشر في هذه المناطق جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية تستغل الفراغ الأمني والتضاريس الوعرة لتنفيذ هجماتها. ومن أبرز هذه التنظيمات “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”.
- الصراعات الداخلية: تعاني بعض الدول من نزاعات داخلية بين الفصائل المسلحة والحكومة، كما هو الحال في مالي وتشاد. هذه الصراعات تُضعف قدرة الدول على بسط سيطرتها وتوفير الأمن.
- تهريب الأسلحة والمخدرات: يُعَد تهريب الأسلحة والمخدرات من أبرز التحديات الأمنية في هذه المناطق. الشبكات الإجرامية تستغل الحدود غير المحكمة وضعف الرقابة لتنفيذ عملياتها، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني.
4.النزوح والهجرة غير الشرعية: تتسبب النزاعات وانعدام الأمن في نزوح أعداد كبيرة من السكان، مما يؤدي إلى أزمات إنسانية. كما أن هذه المناطق تُستخدم كطرق عبور للمهاجرين غير الشرعيين نحو شمال أفريقيا وأوروبا.
5.التغير المناخي وتأثيراته: التغيرات المناخية تؤثر سلباً على الزراعة والرعي، مما يزيد من حدة الفقر والتنافس على الموارد الشحيحة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نزاعات إضافية.
6.ضعف البنية التحتية الأمنية: تعاني العديد من دول الساحل والصحراء من ضعف المؤسسات الأمنية وقلة التدريب والمعدات. هذا الضعف يُعقِّد من جهود التصدي للتهديدات الأمنية.
7.التدخلات الخارجية: تلعب القوى الإقليمية والدولية دوراً في المشهد الأمني، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر أو الدعم اللوجستي والتدريبي للحكومات المحلية. هذه التدخلات قد تساعد في بعض الأحيان، لكنها قد تزيد من تعقيد الوضع في أحيان أخرى.
3- أهم الاستراتيجيات المغاربية في التعامل مع التهديدات الأمنية جراء الأوضاع الأمنية في دول الساحل الإفريقية
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تدهورًا أمنيًا متسارعًا جراء انتشار الجماعات المسلحة، والتهريب، والهجرة غير الشرعية. هذه التطورات أثرت بشكل مباشر على دول شمال إفريقيا المغاربية، مما دفعها إلى تبني استراتيجيات أمنية متباينة لحماية حدودها ومصالحها الوطنية. تونس، الجزائر، ليبيا، موريتانيا والمغرب اتخذت إجراءات استباقية لمواجهة تلك التهديدات، وإن كانت تختلف في طرق التنفيذ وأولوياتها.
4 – تونس
تونس، التي شهدت منذ 2011 تحديات أمنية متزايدة نتيجة للاضطرابات السياسية الداخلية، وضعت أولويات أمنية واضحة لحماية حدودها الجنوبية. اعتمدت تونس على تعزيز التعاون الأمني مع الدول المجاورة، وخاصة الجزائر، لتأمين الحدود المشتركة. كما قامت بزيادة الرقابة على الحدود مع ليبيا، التي تعتبر مصدرًا رئيسيًا للتهديدات القادمة من الجنوب. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد تونس بشكل كبير على المساعدات الدولية وخاصة من الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراتها الاستخباراتية والعسكرية في مواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة.
5- الجزائر
الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي الواسع وتأثيرها التاريخي في المنطقة، اتبعت نهجًا أمنيًا يعتمد على الاستقلالية وتعزيز قدراتها الذاتية. الدولة الجزائرية استثمرت بشكل كبير في تحديث قواتها المسلحة والمعدات العسكرية لحماية حدودها الطويلة مع منطقة الساحل. الجزائر تعتبر اللاعب الرئيسي في المبادرات الإقليمية مثل “لجنة الأركان المشتركة” التي تضم عدة دول ساحلية لتنسيق الجهود الأمنية. كما تعتمد الجزائر على الدبلوماسية الأمنية من خلال دعم التسويات السلمية للصراعات في المنطقة والمشاركة في الحوار مع القوى الإقليمية والدولية.
6- ليبيا
ليبيا، التي تعاني من حالة انهيار الدولة منذ عام 2011، تواجه تحديات أمنية خطيرة جراء الانقسامات الداخلية وانتشار الجماعات المسلحة. غياب السلطة المركزية في ليبيا يجعلها مصدرًا رئيسيًا للتهديدات الأمنية لدول الجوار. ورغم الجهود المبذولة من بعض الأطراف الليبية لتأمين الحدود، فإن الصراع الداخلي أعاق أي تنسيق فعال بين الحكومة الليبية والدول المغاربية الأخرى. العديد من دول المنطقة، بما في ذلك تونس والجزائر، اضطرت إلى اتخاذ تدابير أحادية الجانب لحماية حدودها من تدفق الأسلحة والمقاتلين من ليبيا.
7-موريتانيا
موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي جنوب المغرب وعلى حدود منطقة الساحل الإفريقي، تواجه موريتانيا تحديات أمنية مباشرة بسبب عدم الاستقرار في دول الساحل المجاورة، خاصة مالي.
على مدى العقد الأخير، اعتمدت موريتانيا على عدة استراتيجيات لمواجهة التهديدات الأمنية، والتي تشمل الإرهاب، التهريب، والهجرة غير الشرعية. هكدا نجد أنها اعتمدت نهجًا متعدد الأبعاد في تعزيز أمنها الداخلي ومواجهة التهديدات الخارجية من خلال تعزيز الجيش والقوات الأمنية حيث استثمرت بشكل كبير في تطوير وتحديث قدرات جيشها. وقد ركزت على تدريب القوات الخاصة على مكافحة الإرهاب وحماية الحدود، وذلك بمساعدة من الشركاء الدوليين، مثل فرنسا والولايات المتحدة التحالفات الإقليمية والمراقبة الحدودية
8-المغرب
و اعتمد المغرب في التعامل مع هذا الوضع على نهج شامل يجمع بين تعزيز القدرات الأمنية المحلية وتطوير الدبلوماسية الإقليمية والدولية ،من خلال الاستثمارات الكبيرة في أجهزة الأمن والجيش، بالإضافة إلى التعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين والأفارقة، كما سعى إلى تأمين حدوده الجنوبية ضد التهديدات القادمة من منطقة الساحل.
كما يعتمد أيضًا على إستراتيجية “الديناميكية التنموية” في محاولة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، كجزء من مقاربته الأمنية الشاملة، إلى جانب انخراطه في ديناميات التعاون الأمني متعدد الأطراف مع عدة دول في المنطقة في إطار منظمات دولية مثل “مجموعة الدول الساحل الخمس”.
ويعتمد الدور المغربي ثلاثة مفاتيح أساسية، في تدبيره للأزمات الأمنية في الساحل تتمحور حول الأمن والتنمية والدين؛ وهي في الحقيقة حزمة واحدة، لا يمكن الفصل بينها، فالمقاربة المغربية تتأسس على أنه لا أمن ولا استقرار في إفريقيا عموما، بدون تنمية توفر سبل العيش للمواطنين وتمنعهم من الارتماء في أحضان الجماعات المتطرفة، أو تجعلهم يثورون ضد الأنظمة للمطالبة بالانفصال، كما أن لا أمن دون دور ديني فعال، يواجه الفكر المتشدد، الذي وجد في ضعف المراقبة وشساعة المنطقة، مجالا يبث فيه أفكاره الإرهابية، والمقاربة الدينية المغربية مرجع أساسي في التأطير الديني والمواكبة لنشر الإسلام المعتدل، من خلال إمارة المؤمنين.
كما عمل المغرب على الدعم الأمني والسياسي لوحدة الدول واستقرارها، من خلال مساهمته في تدبير العديد من الأزمات الإفريقية سواء في مالي أو الكونغو أو في ليبيا كذلك، والقيام بالمساعي الحميدة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء المختلفين في بلدانهم، وتكوين العديد من الضباط المدنيين والعسكريين من أجل الاستفادة من الخبرات المغربية في المجال ودعم مسلسل المصالحة السياسية، نهلا من التجربة المغربية في المجال.
ويشكل نجاح دور المغرب في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، دعما دبلوماسيا لقضاياه ذات الأولوية، على وجه الخصوص قضية الوحدة الترابية، بالإضافة إلى الدينامية الاقتصادية والفرص التي يمكن أن يوفرها, و لعل المبادرة الملكية السامية ” الطريق إلى الأطلسي ” التي بموجبها ستتمكن دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) من الدخول مباشرة إلى المحيط الأطلسي لتسويق منتجاتها، وتحقيق تنمية شاملة لمواطنيها، وهو ما يتماشى مع سياسة مغربية تبحث عن تمكين هذه الدول من التحكم في ثرواتها ومستقبلها.
وأطلق العاهل المغربي، المبادرة لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي، من خلال التعاون جنوب – جنوب الذي يقوم على أساس شراكة رابح – رابح.
9 – معيقات التنسيق بين الدول المغاربية
رغم التحديات الأمنية المشتركة، فإن التنسيق بين الدول المغاربية يواجه العديد من العقبات أهمها:
- الاختلافات السياسية والجيواستراتيجية: هناك تباينات في الرؤية السياسية بين الدول المغاربية، خاصة بين المغرب والجزائر بسبب الخلاف حول قضية الصحراء المغربية حيث تقوم الجزائر بدعم انفصاليو بالبوليزاريو.
هذه التوترات تعيق التعاون الأمني المشترك وتعزز من التباعد بين البلدين في معالجة التهديدات الإقليمية. - انعدام الثقة بين الأطراف: التحفظات التاريخية بين بعض الدول المغاربية تزيد من صعوبة بناء جسور الثقة، وهو ما ينعكس في ضعف التنسيق الأمني وغياب المبادرات المشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
- التدخلات الأجنبية: الأجندات الدولية في المنطقة تؤثر على الديناميكيات المغاربية. بعض الدول المغاربية تعتمد على دعم دول أجنبية مثل الولايات المتحدة وفرنسا في تأمين حدودها ومكافحة الإرهاب، وهو ما يعزز من الاعتماد على القوى الخارجية بدلاً من تعزيز التعاون الإقليمي.
- الوضع الأمني في ليبيا: الحالة الليبية المعقدة تجعل من الصعب على الدول المغاربية تنسيق جهودها بشكل فعال مع هذا البلد الذي يعاني من انقسامات داخلية وصراعات مسلحة مستمرة.
- ضعف البنية التحتية المشتركة: غياب آليات فعالة للتنسيق على مستوى الاستخبارات والعمليات العسكرية المشتركة يجعل من الصعب تحقيق تعاون أمني مستدام بين الدول المغاربية.
10- خاتمة
على الرغم من الجهود التي تبذلها دول المغرب العربي لمواجهة التهديدات الأمنية الناجمة عن تدهور الأوضاع في منطقة الساحل، لا يزال التنسيق الإقليمي بين هذه الدول غير فعال. إن حل هذه التحديات يتطلب تقوية الحوار السياسي بين الدول، بناء جسور الثقة، وتعزيز الآليات الأمنية المشتركة بما يخدم مصلحة المنطقة ككل في مواجهة التهديدات الأمنية.
أحمد أكلكيم
صحافي و باحث في علم الاجتماع الإعلامي .
دار بوعزة 25/10/2024

