نيويورك / عبد الكريم مومن
يفترض في الإرث أن يكون امتدادا للعطاء الأبوي، ومكافأة للأبناء بعد رحيل والديهم. غير أن الواقع يبرهن أن الإرث في مجتمعاتنا كثيرًا ما يتحوّل إلى قنبلة موقوتة تفجر الخلافات بين الإخوة، وتحول المحبة إلى خصومة، والتعاون إلى قطيعة. في حالات مأساوية، تجاوزت النزاعات حدود المشادات الكلامية لتتحوّل إلى جرائم قتل دامية، بسبب شهوة المال وغياب الحكمة.
المال حين يزرع الفتنة
تحت سقف واحد، تربى الأبناء وتشاركوا الطعام والضحك والدموع. لكن ما إن يرحل الوالدان، حتى تبرز أصوات جديدة:
الأب وعدني بنصيب أوفر، فأنا كنت كتفه الأيمن وبني كل الإرث على ظهري.
هذا العقار بنيته بمالي وكنت أعطي أبي المال بينما أنتم كنتم تجمعون أموالكم.
أخي استغل ضعف أمي ليكتب الأرض باسمه.
وتبدأ دوامة المحاكم، الوثائق، المحامين، والشهود. وفي خضمها، تختفي الأخوة، ليظهر صراع المصالح.
حين يتحول الإرث إلى دماء
التاريخ القريب يزخر بحوادث مؤلمة:
1- فهناك أخ قتل شقيقه طعنا بالسكين بعد جدال حاد حول تقسيم إرث أرض فلاحية، كانت قيمتها قد ارتفعت بعد دخولها إلى المدار الحضري.
2- وهناك حادثة تتكلم عن سيدة في عقدها الرابع سجنت بعد أن وضعت السم في طعام إخواتها لتنفرد بحقوقها في بيت العائلة القديم.
3- ولطالما سمعنا نزاع بين أبناء العمّ حول قطعة أرض موروثة انتهى باستعمال السلاح، سقط إثرها قتلى وجرحى وخسرت العائلتان معًا كل شيء، الأرض، الأرواح، والسمعة.
4- وهناك قصص حتى بالغرب، ففي إحدى دول شمال أمريكا وفق أخبار منتشرة عن أشقاء قتلوا بعضهم أو خططوا لاغتيال أحد أفراد الأسرة بسبب وصية غير عادلة أو إرث ضخم، لتتحول العائلة إلى مادة للإعلام عوض أن تكون نموذجا للتماسك.
هذه الأمثلة المرعبة تذكرنا بأن المال قد يكون أفتك من السم حين يختلط بالجشع وانعدام الثقة.
الحكمة: الهبة أثناء الحياة
ما البديل إذن؟ الحل ربما الأكثر عقلانية هو الهبة أثناء حياة الأبوين:
توزيع الممتلكات بشكل عادل وشفاف، أمام الأبناء وبشهادة القانون.
الاستفادة من المال في حياتهم، عبر مشاريع مشتركة، سفرات عائلية، أو مساعدات عملية.
تفادي ترك لغز مالي يفتح شهية الخلافات بعد الرحيل.
بهذا، يتأكد الأبوان أن ما بذلوه لن يكون سببا في شتات أبنائهم.
البُعد النفسي والاجتماعي
المال الموروث لا يزرع الخلاف فقط، بل يترك ندوبًا عاطفية عميقة:
إخوة لا يتحدثون لسنوات.
أخوات يرفضن حضور مناسبات بعضهن.
أحفاد يكبرون غرباء بسبب قطيعة صنعها نزاع قديم.
وهذا الثمن لا يقدّر بمال.
العبرة المستخلصة هي أن الإرث، كما يمارس اليوم، كثيرا ما يكون نقمة أكثر من كونه نعمة. الحل في أن يتصرف الوالدان بعقلانية، فيوزعان العطاء وهما على قيد الحياة، أو يتمتعان بأموالهما مع أبنائهما. فالمال وسيلة للعيش لا غاية في ذاته، والنعمة الحقيقية التي يجب أن يورثها الآباء لأبنائهم هي المحبة والانسجام، لا المنازل والضيعات.
فما قيمة فيلا على شكل قصر فخم، إن كان ثمنه دم أخ أو قطيعة أخت؟
أنا أفضل أن أتركهم سندا لبعضهم البعض ولو فقراء، عوض أن أتركهم تجار ومتنافرين.

