كتب: أحمد أكلكيم
بينما كنت بصدد قراءة مقال رأي للصديق و الأستاذ الكبير السيناريست المبدع ،سعيد ودغيري حسني ،حول مهد الاعلام السمعي البصري المغربي ,المحطة الجهوية للإذاعة و التلفزة المغربية / عين الشق , استوقفتني جملة تحمل في طياتها موضوعا يصلح لبحث أكاديمي او أطروحة لشهادة الدكتوراه في مجال الاعلام .و قد أثارت هذه الجملة فضولي للكتابة في هذا الموضوع .
” الاعلام رسالة حقيقية لا تقتصر على نقل المعلومات فقط بل كانت تسعى لبناء قلوب وعقول الجماهير فهل يمكن أن تحقق تقنيات اليوم نفس الهدف بنفس الروح؟ “
مقدمة
لطالما لعب الإعلام دورًا مركزيًا في بناء المجتمعات، ليس فقط كوسيلة لنقل المعلومات، بل كأداة لصياغة القيم وتشكيل الرأي العام. ومع التحولات التكنولوجية، أضحى الإعلام التقليدي يواجه تحديات غير مسبوقة، حيث باتت السرعة والانتشار أهم من الجودة والعمق. في هذا السياق، تُطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن للإعلام الرقمي وتقنياته الحديثة أن تحافظ على الدور التنويري والبنيوي الذي اضطلع به الإعلام التقليدي؟ للإجابة عن هذا التساؤل، سنعتمد مقاربة سوسيو-إعلامية، تتناول العلاقة بين التكنولوجيا والإعلام والمجتمع، مع اقتراح فرضيات علمية تفسر التحولات الراهنة.
الإعلام كظاهرة اجتماعية: بين الوظيفة التقليدية والرقمية
وفقًا للمقاربات السوسيولوجية، يُنظر إلى الإعلام كفاعل اجتماعي يؤثر ويتأثر بالبُنى الاقتصادية والثقافية والسياسية. كان الإعلام التقليدي – الصحافة المكتوبة، الإذاعة، والتلفزيون – قائمًا على التراتبية المهنية والالتزام بمعايير التحرير الصارمة. وكان يمارس دورًا تثقيفيًا عبر إنتاج محتوى يعزز الوعي الجمعي، ويرسخ القيم المشتركة.
لكن مع صعود الإعلام الرقمي، شهدت هذه الوظيفة تحولات بنيوية؛ إذ أتاح الإنترنت منصات لامركزية، حيث يمكن للأفراد إنتاج المحتوى ونشره خارج الأطر المؤسساتية التقليدية. هذه التحولات أثّرت على وظيفة الإعلام، وطرحت إشكالات جديدة حول مصداقية الأخبار، وانتشار المعلومات الزائفة، وتراجع دور الصحافي كوسيط معرفي.
فرضية أولى: التكنولوجيا لم تُلغِ وظيفة الإعلام التنويرية، لكنها أعادت تشكيلها ضمن سياقات أكثر تعددية وفوضوية، حيث باتت المعرفة تتوزع بين الفاعلين التقليديين والمستخدمين العاديين.
التقنيات الحديثة والبعد السوسيو-إعلامي للإعلام
التطور التكنولوجي، خاصة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والخوارزميات، ساهم في إعادة تعريف كيفية إنتاج واستهلاك المعلومات. المنصات الرقمية مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب لم تُحدث فقط تغيرات في آليات النشر، بل أثرت في طبيعة التفاعل الاجتماعي مع المحتوى الإعلامي.
أحد الجوانب المهمة في هذا التحول هو انزياح الإعلام من النموذج الخطي (صحافي → متلقٍ) إلى نموذج تفاعلي (منتِج محتوى ↔ جمهور). هذا التحول عزز دور الجمهور كفاعل في العملية الإعلامية، لكنه أدى في الوقت ذاته إلى بروز ظواهر مثل غرف الصدى (Echo Chambers)، حيث يتلقى الأفراد فقط المعلومات التي تتوافق مع آرائهم المسبقة، مما قد يحدّ من تعددية النقاش العمومي.
فرضية ثانية: الإعلام الرقمي لا يعزز فقط حرية التعبير، بل يعيد تشكيل الفضاء العمومي بطرق قد تؤدي إلى الاستقطاب والانغلاق الفكري، وهو ما يتطلب استراتيجيات جديدة لمواجهة هذه الظواهر.
التحولات السوسيو-إعلامية وتأثيرها على الرسالة الإعلامية
يمكن فهم التحولات الراهنة من خلال ثلاث مستويات تحليلية رئيسية:
المستوى البنيوي: يشير إلى التغيرات في اقتصاديات الإعلام، حيث باتت المنصات الرقمية تعتمد على نماذج إعلانية تستهدف المستخدمين بناءً على بياناتهم الشخصية، مما يجعل المحتوى موجهًا نحو الجذب والإثارة أكثر من العمق والتحليل.
المستوى الثقافي: يعكس التحولات في أنماط استهلاك المعلومات، حيث باتت الجماهير تفضل المحتوى السريع والبصري (الفيديوهات القصيرة، الإنفوغرافيك) على التحليلات الطويلة، مما يغيّر دور الإعلام في بناء الوعي النقدي.
المستوى الاجتماعي: يشير إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإعلام والمجتمع، حيث أصبح الأفراد أكثر قدرة على المشاركة في إنتاج المعلومات، لكن في ظل هشاشة التحقق من المصادر، مما يجعل مسألة بناء الثقة في الإعلام تحديًا جوهريًا.
فرضية ثالثة: التحولات السوسيو-إعلامية لم تؤدِّ إلى زوال الرسالة الإعلامية التقليدية، لكنها جعلتها أكثر تشتتًا، حيث بات الجمهور ينتقل من دور المتلقي إلى دور المنتج والمستهلك في آنٍ واحد.
استشراف مستقبل الإعلام بين التكنولوجيا والمسؤولية المجتمعية
إذا كان الإعلام الرقمي قد زاد من ديمقراطية الوصول إلى المعلومات، فإنه في الوقت ذاته طرح تحديات جديدة تتعلق بالمصداقية، والانحياز، والتضليل الإعلامي. في هذا السياق، يصبح السؤال المحوري: كيف يمكن إعادة بناء الإعلام بروح رسالته الأصلية في ظل هذه التغيرات؟
الصحافة التفسيرية: بدلاً من التركيز على الخبر العاجل، يمكن للصحافة الرقمية تبني نماذج جديدة تعتمد على التفسير والتحليل العميق للأحداث.
التربية الإعلامية: يجب تعزيز ثقافة التفكير النقدي لدى الجمهور، لتمكينه من التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.
تنظيم المحتوى الرقمي: وضع سياسات لضبط عمل الخوارزميات، بحيث لا تعزز الاستقطاب المعلوماتي، بل تحفز التعددية الفكرية والنقاش الحر.
فرضية رابعة: يمكن للتكنولوجيا أن تستعيد روح الإعلام التنويرية إذا تم توظيفها بشكل مسؤول، بحيث تعزز من جودة المحتوى بدلاً من الاكتفاء بنشر المعلومات بشكل عشوائي.
خاتمة
لا يمكن إنكار أن التقنيات الحديثة أعادت تشكيل الإعلام، لكنها لم تلغِ دوره الأساسي كأداة لبناء العقول. الإعلام الرقمي، رغم فوضويته، يوفر فرصًا جديدة لإنتاج محتوى أكثر شمولًا وتفاعلية. التحدي الأساسي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامها، وفي مدى قدرة الفاعلين الإعلاميين على توظيفها للحفاظ على روح الإعلام كرسالة حقيقية، تجمع بين السرعة والجودة، بين الابتكار والمسؤولية، وبين التقنية والإنسانية.

